محكمة النقض: تجاهل حجية حكم سابق يُبطل الحكم الجديد ويُفقده صفته القضائية
في حكم بُني على دقة الفهم القانوني، ورسّخ مبدأ حجية الأحكام القضائية، قضت محكمة النقض بنقض حكم صدر بطرد أحد المواطنين من أطيان زراعية، مؤكدة أن الحكم المطعون فيه تجاهل قوة الأمر المقضي لحكم سابق نهائي، مما شكّل إخلالًا بحق الدفاع وفسادًا في الاستدلال، لتعيد بذلك المحكمة التوازن إلى كفة العدالة وتؤكد أن الحكم الذي يتجاوز حدود سلطته يسقط إلى درجة العدم.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة القاضي بدوي إبراهيم عبد الوهاب وعضوية القضاة مصطفى عز الدين صفوت و هشام محمد عصر و عبد الله عبد المنعم و حاتم أحمد شميلة بحضور شريف حمدي حسان رئيس النيابة بنيابة النقض بأمانة سر إسماعيل فوزي في الطعن المقيد برقم 6943 لسنة 88 ق الصادر في 4 فبراير 2024،
الوقائع .
في يوم 4 / 4 / 2018 طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف بني سويف " مأمورية الفيوم " الصادر بتاريخ 6 / 2 / 2018 في الاستئناف رقم 639 لسنة 44 ق وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة.
وفي 30 / 4 / 2018 أعلن المطعون ضدهم بصحيفة الطعن.
فيه. ثم أودعت النيابة مذكرتها وطلبت فيها قبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون
وبجلسة 3 / 12 / 2023 عُرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر فحددت جلسة لنظره
وبجلسة 21 / 1 / 2024 سمعت الدعوى أمام هذه الدائرة على ما هو مبين بمحضر الجلسة حيث صمم كل من محامى الطاعن والنيابة على ما جاء بمذكرتها والمحكمة أرجأت إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه المستشار المقرر نائب رئيس المحكمة والمرافعة وبعد المداولة :
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
حيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل في أن مورثة المطعون ضدهم أقامت الدعوى رقم 1658 لسنة 2007 مدنى الفيوم الابتدائية على الطاعن بطلب الحكم بالطرد للغصب والتسليم, وقالت بياناً لذلك إنها استصدرت حكماً في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 كلي الفيوم برفض دعوى صحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 1998/5/1 سند شراء الطاعن الأطيان التداعي من مورث المطعون ضدهم في البند أولاً على سند من صدور العقد من غير مالك وتملكها وأشقائها بالميراث عن والدهم الأطيان محل التداعي المبينة حدوداً ومعالماً بالصحيفة وإذ صار هذا الحكم نهائياً وطالبت الطاعن بالتسليم فرفض فأقامت الدعوى حكمت المحكمة بالطلبات . استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم 639 لسنة 44 ق بنى سويف " مأمورية الفيوم ", ندبت المحكمة خبير وبعد أن أودع تقريره قضت بتاريخ 2018/2/6 بتأييد الحكم المستأنف . طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه بالوجه الثاني من السبب الأول والسببين الثالث والرابع الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع وفي بيان ذلك يقول إنه ثبت من التحري عن الاسم الصحيح لمورثة المطعون ضدهم ...........
البائع للطاعن مما مفاده حلوله محلها في ملكية أطيان التداعي وصيرورة البيع الصادر منه للطاعن صحيحاً وتملكه معها لتلك الأطيان على الشيوع وانتفاء صفة الغصب في الطاعن لكون البائع له أحد ورثة /مع انتفاء صفة الغصب بالنسبة له وتثبت ملكيته لأطيان التداعي سواء بالشرع بالعقد البيع المؤرخ 1998/5/1 أو طبقاً للثابت من شهادتي القيد بالسجل العيني المقدمين أمام محكمة أول درجة والمؤرخين في 2006/12/7 أو بوضع اليد المدة الطويلة المكسبة للملكية والتي بدأت من تاريخ العقد المذكور بالإضافة إلى مدة حيازة البائع له ومورثة من قبله, واذ خالف الحكم المطعون في فيه هذا النظر والتفت عن الدفاع المشار إليه, فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه ومن إعلام الوراثة الخاص بها بانه من ضمن ورثة..
وحيث إن مما ينعاه الطاعن بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه البطلان, وفي بيان ذلك يقول أن الحكم الصادر في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 كلي الفيوم الذى استندا إليه الحكم الطعنين خالف حجية الحكم النهائي السابق صدوره في الدعوى رقم 1181 لسنة 186 كلى الفيوم واستئنافها رقم 820 لسنة 31 ق فيما بين ورثة /ومن ضمنهم مورثة المطعون ضدهم / والبائع للطاعن .............../1998/5/1 لكون البائع له والتي أقيمت بطلب تثبيت ملكية الأخيرة لمساحة 12 ف 14 ط 14 س, وقضى فيها بالرفض بحكم نهائي لكون جميع الورثة سالفي الذكر مالكين على الشيوع لهذه الأطيان ومن ضمنها أطيان التداعي, مما يكون ذلك الحكم حازة قوة الأمر المقضي في مسألة مليكة البائع للطاعن سالف الذكر لأطيان التداعى على الشيوع, كما قضى الحكم الصادر في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 مدني كلي الفيوم برفض طلب الطاعن بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ غير مالك, غير أن الحكم المطعون فيه قضى بطرد الطاعن من أطيان التداعي للغصب بالمخالفة لحجية الحكم النهائي سالف البيان والذي حاز لقوة الأمر المقضي والمتعلق بالنظام العام, واذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيبا بما يستوجب نقضه
وحيث إن هذا النعى سديد ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن حجية الأحكام القضائية هو أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي وقد حرص المشرع على الالتزام بهذا المبدأ الذي قوامه قرينه الصحة في الأحكام القضائية وهى ليست قرينه حتمية - فما أعوز القضاة للعصمة بيد أن المشرع اطلقها رعاية لحسن سير العدالة واتقاء لتأييد الخصومات وتجنباً لتضارب الحكام القضائية بما يخل بالثقة العامة في أحكام القضاء وفى سبيل ذلك وادراكاً له فقد حال المشرع في المادة ( 101 ) من قانون الأثبات بين صدور قضاء جديد مخالف لقضاء سابق حاز قوة الأمر المقضى عن ذات الحق وبين الخصوم أنفسهم, كما استهدف المشرع الحيلولة دون استقرار أي قضاء جديد يصدر بالمخالفة لحجية حكم سابق بان أجاز في المادة 249 من قانون المرافعات الطعن بالنقض لهذا السبب على أي حكم انتهائي أياً كانت المحكمة التي أصدرته بما مفاده أنه يترتب على صدور حكم سابق نهائياً وحائزاً على قوة الأمر المقضي إنكار لسلطة أية محكمة بعد ذلك في إعادة نظر النزاع لتتعلق ذلك بالنظام العام, فإذا ما تجاوزت المحكمة حدود سلطتها وتصدت لنظر النزاع وقضت فيه على خلاف الحكم السابق, فإن حكمها يكون صادراً في خصومة قد انتهى محلها وسببها مفتقداً بذلك لأحد أركانه الأساسية التي قوامها صدوره من قاضي له ولاية الفصل في خصومة مستكمله المقومات أطرافاً ومحلاً وسبباً وفقاً للقانون بما يجرده من مقومات صحته ويفقده كيانه وصفته لحكم ويطيح بما له من حصانه وينحدر بها إلى درجة الانعدام, وإذا ترتب على ذلك تناقض حكمين وعرض النزاع لمرة ثالثة على قاضي أخر فلا يجوز له اتقاء لتأبيد الخصومات أن يتصدى للفصل في النزاع مجدداً بل عليه أن ينفذ الحكم الأول وحدة ويلتزم حجيته ولا يعتد بالتالي.
وأنه من المقرر أنه وإن كان لمحكمة الموضوع السلطة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى من الأدلة المقدمة فيها وترجيح بعضها على البعض الآخر إلا أنها تخضع لرقابة محكمة النقض في تكييف هذا الفهم وفي تطبيق ما ينبغي من أحكام القانون بحيث لا يجوز لها أن تطرح ما يقدم اليها تقديماً صحيحاً من الأوراق والمستندات المؤثرة في حقوق الخصوم دون أن تدون في حكمها بأسباب خاصة ما يبرر هذا الاطراح وإلا كان حكمها قاصراً وأن إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بطلان الحكم إذا كان هذا الدفاع جوهرياً ومؤثراً في النتيجة التي إنتهى إليها إذ يُعد ذلك الأغفال قصوراً في الأسباب الواقعية يقتضى بطلانه ، بما مؤداه أنه إذا طرح على المحكمة دفاع كان عليها ان تنظر في أثره في الدعوى ، فإن كان منتجاً فعليها أن تقدر مدى جديته حتى ما رأته متسماً بالجدية مضت إلى فحصه لتقف على أثره في قضائها فإن لم تفعل كان حكمها قاصراً . لما كان ذلك ، وكان البين من الأوراق ومدونات الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أن الواقع المطروح في الدعوى على محكمة الموضوع أن الحكم الصادر في الدعوى رقم 1181 لسنة 1986 مدنى كلى الفيوم واستئنافها رقم 820 لسنة 31 ق بنى سويف مأمورية الفيوم فيما بين ورثة ومن ضمنهم مورثة المطعون ضدهم / فوقية والبائع للطاعن قد قضى برفض طلب مورثة المطعون ضدهم سالف البيان تثبيت ملكيتها لمساحة 12 ف 14 ط 14 س من ضمنها أطيان التداعي استناداً لتملكها لها على الشيوع مع باقي الورثة للمطعون ضدهم ومن ضمنهم البائع للطاعن ولم يثبت بالأوراق أنها اختصت بالقدر المطالب به من خلال قسمة رضائية نافذة في مواجهة جميع الورثة, كما قضى الحكم النهائي الصادر في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 مدنى كلى الفيوم, والذي لم يتم استئنافه برفض طلب الطاعن بصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 1998/5/1 عن أطيان التداعي لكون البائع له سالف الذكر غير مالك لها بالتعارض مع الحكم النهائي السابق صدوره والذى فصل في ذات ملكية البائع للطاعن / ......... لأطيان التداعي على الشيوع مع مورثة المطعون ضدهم وباقي الورثة, مما يكون قد صار أمام محكمة الموضوع حكمين نهائيين متناقضين في مسالة ملكية البائع للطاعن الأطيان التداعي, الأمر الذي يوجب على المحكمة أما أن تتقيد بالحكم الأول وحدة الصادر في الدعوى رقم 1181 لسنة 1986 مدنى كلى الفيوم واستئنافها رقم 820 لسنة 31 ق وتلتزم بحجيته في هذه المسألة ولا تعتد بالحكم التالي له الصادر في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 مدنى كلى الفيوم, أو دون التقيد بحجية أي من الحكمين المتعارضين سالفي البيان وتسترد كامل سلطتها في الفصل في النزاع المطروح عليها وفق ما قدم إليها من أدلة في الدعوى على نحو ما أثاره الطاعن بنعيه بشأن ملكيته لأطيان التداعي, وإذ خالف الحكم المطعون فه هذا النظر وعول في قضائه على الحكم اللاحق الصادر في الدعوى رقم 2136 لسنة 1998 مدنى كلى الفيوم دون الحكم السابق له, ولم يعرض لدفاع الطاعن وما أثاره بشأن تملكه أطيان التداعي بالمدة الطويلة المكسبة للمليكة التي أثارها بنعيه حال كونه دفاع جوهري من شأنه تغيير وجه الرأي في الدعوى, فإنه يكون شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع بما يوجب نقضه دون حاجة للرد على باقى أسباب الطعن على أن يكون النقض مع الإحالة .
لذلك
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة استئناف بنى سويف " مأمورية الفيوم " وألزمت المطعون ضدهم المصاريف ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة .