ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

 

عندما‭ ‬أواجه‭ ‬القلق‭ ‬والأرق‭.. ‬يسعفنى‭ ‬صندوق‭ ‬الذكريات‭ ‬بالحل‭ ‬السريع‭.. ‬يفتح‭ ‬الصندوق‭ ‬حاملاً‭ ‬معه‭ ‬أحداثاً‭ ‬وذكريات‭.. ‬كأنها‭ ‬تحدث‭ ‬الآن‭.. ‬بطلها‭ ‬أبى‭.. ‬قدوتى‭.. ‬مثلى‭ ‬الأعلى‭.. ‬الذى‭ ‬اعتبرنى‭ ‬رفيقه‭ ‬وأمين‭ ‬سر‭ ‬خلال‭ ‬مشوار‭ ‬حياته‭.. ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬اصطحبنى‭ ‬طفلاً‭ ‬إلى‭ ‬المعهد‭ ‬الدينى‭ ‬الذى‭ ‬يعمل‭ ‬فيه‭.. ‬ووضعنى‭ ‬أمام‭ ‬أولى‭ ‬خطوات‭ ‬سلم‭ ‬المسئولية‭ ‬والإعداد‭.. ‬وحتى‭ ‬رحيله‭ ‬عند‭ ‬الفجر‭.. ‬فى‭ ‬ليلة‭ ‬شتوية‭.. ‬مازلت‭ ‬أعيش‭ ‬تفاصيلها‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.. ‬كان‭ ‬يعالج‭ ‬من‭ ‬متاعب‭ ‬فى‭ ‬القلب‭.. ‬والضغط‭ ‬وحريص‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬كيس‭ ‬الأدوية‭ ‬معه‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.. ‬ملتزماً‭ ‬بمواعيد‭ ‬التناول‭ ‬المحددة‭ ‬من‭ ‬الطبيب‭.. ‬يومها‭ ‬عاد‭ ‬سعيداً‭ ‬يوزع‭ ‬ابتسامته‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.. ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬قابلهم‭ ‬فى‭ ‬الطريق‭.. ‬ناقلاً‭ ‬البشرى‭.. ‬لنا‭ ‬نحن‭.. ‬الأم‭ ‬الوفية‭.. ‬حافظة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭.. ‬والأبناء‭ ‬التسعة‭..  ‬أو‭ ‬العمارات‭ ‬التى‭ ‬يفخر‭ ‬بأنه‭ ‬بناها‭ ‬بالصبر‭ ‬والإصرار‭.. ‬وكذلك‭ ‬السباحة‭ ‬عكس‭ ‬التيار‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنين‭.‬
قال‭ ‬أبى‭.. ‬ونحن‭ ‬نجلس‭ ‬أمام‭ ‬التليفزيون‭ ‬الملون‭ ‬فى‭ ‬صالة‭ ‬الشقة‭ ‬بشارع‭ ‬البشرى‭.. ‬هذه‭ ‬الأدوية‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لها‭ ‬الآن‭.. ‬حاولوا‭ ‬توصيلها‭ ‬لمن‭ ‬يستحق‭ ‬ويستفيد‭.. ‬فقد‭ ‬أخبرنى‭ ‬الطبيب‭ ‬بأن‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬قد‭ ‬منَ‭ ‬علىّ‭ ‬بالشفاء‭.. ‬ابحثوا‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬قناة‭ ‬تبث‭ ‬مسرحية‭ ‬كوميدية‭.. ‬احتفالاً‭ ‬بهذا‭ ‬النبأ‭ ‬السعيد‭.‬
غادرته‭ ‬إلى‭ ‬منزلى‭ ‬بشارع‭ ‬تمام‭ ‬الغريب‭.. ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬تقريباً‭ ‬لأتركه‭ ‬ينام‭ ‬ويستريح‭.. ‬قبل‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬بقليل‭ ‬فوجئت‭ ‬بشقيقتى‭ ‬الصغرى‭ ‬‮«‬سماح‮»‬‭ ‬تتصل‭ ‬بى‭ ‬تليفونياً‭.. ‬باكية‭.. ‬احضر‭ ‬فوراً‭.. ‬بابا‭ ‬الغالى‭ ‬فى‭ ‬ذمة‭ ‬الله‭.‬
فى‭ ‬مسجد‭ ‬الرسول‭ ‬المجاور‭.. ‬التقيت‭ ‬بأصدقاء‭ ‬أعزاء‭.. ‬مهران‭.. ‬وعبدالباقى‭ - ‬رحمهما‭ ‬الله‭ - ‬أبلغت‭ ‬الصديق‭ ‬الغالى‭ ‬الحاج‭ ‬تمام‭ ‬صاحب‭ ‬المنزل‭.. ‬وذهبنا‭ ‬معاً‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬الأسرة‭.. ‬حيث‭ ‬قاموا‭ ‬مشكورين‭ ‬بكل‭ ‬الترتيبات‭.. ‬وعند‭ ‬صلاة‭ ‬الظهر‭.. ‬قمنا‭ ‬بالصلاة‭ ‬على‭ ‬الجثمان‭ ‬الطاهر‭ ‬بمسجد‭ ‬الشيخ‭ ‬بخيت‭.. ‬لتفاجأنا‭ ‬معجزة‭ ‬ذات‭ ‬معنى‭.. ‬الجثمان‭ ‬يتجه‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬المعهد‭ ‬الدينى‭ ‬المجاور‭ ‬الذى‭ ‬عاش‭ ‬فيه‭ ‬أبى‭ ‬سنوات‭ ‬عمره‭.. ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬يحتوى‭ ‬على‭ ‬9‭ ‬فصول‭.. ‬وتركه‭ ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬39‭ ‬فصلاً‭ ‬وأضاف‭ ‬إليه‭ ‬معمل‭ ‬حديث‭ ‬للكمبيوتر‭.‬
بالفعل‭ ‬دخلنا‭ ‬بالجثمان‭ ‬إلى‭ ‬فناء‭ ‬المعهد‭.. ‬ثم‭ ‬خرجنا‭ ‬بعد‭ ‬الوداع‭.. ‬وقام‭ ‬الحاج‭ ‬تمام‭ ‬مشكوراً‭ ‬بتجهيز‭ ‬سرداق‭ ‬كبير‭ ‬أمام‭ ‬المنزل‭.. ‬ظل‭ ‬يستقبل‭ ‬المعزين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأنحاء‭.. ‬تلاميذ‭ ‬الوالد‭.. ‬أصدقاء‭.. ‬جيران‭.. ‬زملاء‭ ‬العمل‭.. ‬حتى‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭.. ‬صادعاً‭ ‬بآيات‭ ‬الذكر‭ ‬الحكيم‭.‬
إنها‭ ‬حياة‭ ‬حافلة‭.. ‬انتهت‭ ‬زمنياً‭ ‬بإحالته‭ ‬للمعاش‭.. ‬حيث‭ ‬توفى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بشهور‭.. ‬ولكن‭ ‬بدايتها‭ ‬تظل‭ ‬متوهجة‭.. ‬حية‭.. ‬ساطعة‭.. ‬ربما‭ ‬هى‭ ‬النقطة‭ ‬الأهم‭ ‬فى‭ ‬مسيرتى‭ ‬ومشوارى‭ ‬حتى‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭.. ‬واكشف‭ ‬عنها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭.. ‬الآن‭.. ‬فقد‭ ‬مات‭ ‬جدى‭ ‬‮«‬والد‭ ‬أبى‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬مولده‭ ‬بعامين‭ ‬تقريباً‭.. ‬أصبح‭ ‬يتيماً‭.. ‬تزوجت‭ ‬أمه‭ ‬بآخر‭.. ‬تعهدت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬خاله‭ ‬الحاج‭ ‬حافظ‭ ‬الذى‭ ‬كفله‭.. ‬وانفق‭ ‬عليه‭.. ‬وأدخله‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭.. ‬لكن‭ ‬ظهرت‭ ‬مشكلة‭ ‬عند‭ ‬بلوغ‭ ‬الفتى‭.. ‬مرحلة‭ ‬الشباب‭.. ‬خاصة‭ ‬باستمرار‭ ‬الإنفاق‭.. ‬تحدى‭ ‬أبى‭ ‬الأمواج‭ ‬والتيار‭.. ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬تحسين‭ ‬الخطوط‭.. ‬تفوق‭ ‬فى‭ ‬الدراسة‭.. ‬وعشق‭ ‬الخط‭ ‬العربى‭ ‬كهواية‭.. ‬عند‭ ‬امتحان‭ ‬الدبلوم‭.. ‬طلبوا‭ ‬من‭ ‬كفيله‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬تعهد‭ ‬بأن‭ ‬يعمل‭ ‬فى‭ ‬الحكومة‭ ‬5‭ ‬سنوات‭.. ‬مقابل‭ ‬مجانية‭ ‬التعليم‭.. ‬لكن‭ ‬الأقارب‭ ‬ضغطوا‭ ‬على‭ ‬الخال‭ ‬بوهم‭ ‬أنه‭ ‬بالتوقيع‭ ‬سيضطر‭ ‬للإنفاق‭ ‬عليه‭ ‬لسنوات‭ ‬قادمة‭.. ‬فضاعت‭ ‬الفرصة‭.. ‬لكن‭ ‬أبى‭ ‬المكافحج‭ ‬العصامى‭.. ‬استحضر‭ ‬عزيمته‭ ‬وجهده‭.. ‬ليعمل‭ ‬محفظاً‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬فى‭ ‬جمعية‭ ‬تحفيظ‭ ‬القرآن‭.. ‬وتحولت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬معهد‭ ‬أزهرى‭ ‬بعد‭ ‬التطوير‭.. ‬ورزقه‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭.. ‬برجل‭ ‬طيب‭.. ‬الشيخ‭ ‬عوض‭ ‬سلامة‭.. ‬الذى‭ ‬سانده‭ ‬وزوجه‭ ‬من‭ ‬ابنته‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬التخرج‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬المعلمات‭.. ‬ثم‭ ‬سارت‭ ‬الحياة‭ ‬به‭ ‬وبنا‭.. ‬ربان‭ ‬سفينة‭.. ‬لأسرة‭ ‬مترابطة‭.. ‬نذر‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬حياته‭.. ‬وأدارها‭ ‬بكل‭ ‬مهارة‭.. ‬سابحاً‭ ‬عكس‭ ‬التيار‭.. ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬الجميع‭.‬
صالح إبراهيم

تم نسخ الرابط