عندما أواجه القلق والأرق.. يسعفنى صندوق الذكريات بالحل السريع.. يفتح الصندوق حاملاً معه أحداثاً وذكريات.. كأنها تحدث الآن.. بطلها أبى.. قدوتى.. مثلى الأعلى.. الذى اعتبرنى رفيقه وأمين سر خلال مشوار حياته.. منذ أن اصطحبنى طفلاً إلى المعهد الدينى الذى يعمل فيه.. ووضعنى أمام أولى خطوات سلم المسئولية والإعداد.. وحتى رحيله عند الفجر.. فى ليلة شتوية.. مازلت أعيش تفاصيلها حتى الآن.. كان يعالج من متاعب فى القلب.. والضغط وحريص على حمل كيس الأدوية معه فى كل مكان.. ملتزماً بمواعيد التناول المحددة من الطبيب.. يومها عاد سعيداً يوزع ابتسامته على الجميع.. بما فيهم من قابلهم فى الطريق.. ناقلاً البشرى.. لنا نحن.. الأم الوفية.. حافظة القرآن الكريم.. والأبناء التسعة.. أو العمارات التى يفخر بأنه بناها بالصبر والإصرار.. وكذلك السباحة عكس التيار على مر السنين.
قال أبى.. ونحن نجلس أمام التليفزيون الملون فى صالة الشقة بشارع البشرى.. هذه الأدوية لا لزوم لها الآن.. حاولوا توصيلها لمن يستحق ويستفيد.. فقد أخبرنى الطبيب بأن الله سبحانه وتعالى قد منَ علىّ بالشفاء.. ابحثوا لنا عن قناة تبث مسرحية كوميدية.. احتفالاً بهذا النبأ السعيد.
غادرته إلى منزلى بشارع تمام الغريب.. عند منتصف الليل تقريباً لأتركه ينام ويستريح.. قبل صلاة الفجر بقليل فوجئت بشقيقتى الصغرى «سماح» تتصل بى تليفونياً.. باكية.. احضر فوراً.. بابا الغالى فى ذمة الله.
فى مسجد الرسول المجاور.. التقيت بأصدقاء أعزاء.. مهران.. وعبدالباقى - رحمهما الله - أبلغت الصديق الغالى الحاج تمام صاحب المنزل.. وذهبنا معاً إلى منزل الأسرة.. حيث قاموا مشكورين بكل الترتيبات.. وعند صلاة الظهر.. قمنا بالصلاة على الجثمان الطاهر بمسجد الشيخ بخيت.. لتفاجأنا معجزة ذات معنى.. الجثمان يتجه بقوة إلى المعهد الدينى المجاور الذى عاش فيه أبى سنوات عمره.. منذ أن كان يحتوى على 9 فصول.. وتركه وقد أصبح 39 فصلاً وأضاف إليه معمل حديث للكمبيوتر.
بالفعل دخلنا بالجثمان إلى فناء المعهد.. ثم خرجنا بعد الوداع.. وقام الحاج تمام مشكوراً بتجهيز سرداق كبير أمام المنزل.. ظل يستقبل المعزين من كل الأنحاء.. تلاميذ الوالد.. أصدقاء.. جيران.. زملاء العمل.. حتى صلاة الفجر.. صادعاً بآيات الذكر الحكيم.
إنها حياة حافلة.. انتهت زمنياً بإحالته للمعاش.. حيث توفى بعد ذلك بشهور.. ولكن بدايتها تظل متوهجة.. حية.. ساطعة.. ربما هى النقطة الأهم فى مسيرتى ومشوارى حتى كتابة هذه السطور.. واكشف عنها لأول مرة.. الآن.. فقد مات جدى «والد أبى» بعد مولده بعامين تقريباً.. أصبح يتيماً.. تزوجت أمه بآخر.. تعهدت به إلى خاله الحاج حافظ الذى كفله.. وانفق عليه.. وأدخله الأزهر الشريف.. لكن ظهرت مشكلة عند بلوغ الفتى.. مرحلة الشباب.. خاصة باستمرار الإنفاق.. تحدى أبى الأمواج والتيار.. وذهب إلى مدرسة تحسين الخطوط.. تفوق فى الدراسة.. وعشق الخط العربى كهواية.. عند امتحان الدبلوم.. طلبوا من كفيله التوقيع على تعهد بأن يعمل فى الحكومة 5 سنوات.. مقابل مجانية التعليم.. لكن الأقارب ضغطوا على الخال بوهم أنه بالتوقيع سيضطر للإنفاق عليه لسنوات قادمة.. فضاعت الفرصة.. لكن أبى المكافحج العصامى.. استحضر عزيمته وجهده.. ليعمل محفظاً للقرآن الكريم فى جمعية تحفيظ القرآن.. وتحولت بعد ذلك إلى معهد أزهرى بعد التطوير.. ورزقه الله سبحانه وتعالى.. برجل طيب.. الشيخ عوض سلامة.. الذى سانده وزوجه من ابنته التى كانت على وشك التخرج من معهد المعلمات.. ثم سارت الحياة به وبنا.. ربان سفينة.. لأسرة مترابطة.. نذر لها كل حياته.. وأدارها بكل مهارة.. سابحاً عكس التيار.. رحم الله سبحانه وتعالى الجميع.
صالح إبراهيم