تقرير| اتفاقٌ يُوقَّع.. ودمٌ يُراق: أولى ساعات الهدنة تحت النار
في الليلة التي كان يُفترض أن تكون أول أنفاسها هادئة بعد شهورٍ من اللهب، لم تخلد غزة إلى النوم على وعد السلام، بل استيقظت على صدى انفجارٍ جديدٍ أعاد إلى الذاكرة كل ما حاول الناس نسيانه.
في تلك الساعات الأولى من الهدنة التي سُميت "التاريخية"، ارتفع الدخان مجددًا فوق الشجاعية، وارتفعت معه خمسةُ جثامينٍ كانت شاهدة على أن التوقيع لا يعني بالضرورة انتهاء النزيف.
اتفاقٌ على الورق.. ودمٌ على الأرض
كانت الشاشات تعجّ بالتصريحات عن "اتفاق لإنهاء الحرب"، ووجوه المفاوضين تبتسم أمام الكاميرات، بينما في غزة كانت الأحياء تنفض عن نفسها الغبار بعد قصفٍ لم ينتهِ.
لم تمضِ ساعات على إعلان وقف إطلاق النار حتى دوّى انفجارٌ في منطقةٍ سكنية شرق المدينة، قال الجيش الإسرائيلي إنه ردٌّ على "محاولة اشتباك"، بينما الواقع الماثل بين الركام يقول إن الضحايا كانوا مدنيين بالكامل، وأن النار لم تنتظر طويلًا لتكذّب نصوص الاتفاق.
هكذا، وفي أول اختبارٍ للهدنة، بدا الاتفاق الوليد هشًّا أمام منطق الميدان؛ فالكلمات التي كُتبت في القاعات المكيّفة لم تجد طريقها إلى الأزقة التي ما زالت تتنفس الرماد، حيث الخوف صار جارًا ملازمًا، والموت زائرًا متكرّرًا.
سلامٌ معلّق بين توقيعٍ ورصاصة
ليست هذه المفارقة جديدة في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
فمن “أوسلو” إلى “تهدئة 2014”، لطالما كانت الورقة تُوقَّع في الصباح، ويسقط الاتفاق مع أول رصاصة في المساء.
تاريخ الهدنات هنا يُكتب بالحبر في القاعات، وبالدم على الأرض.
الاتفاق الذي رُوّج له باعتباره “خطوة نحو التهدئة الشاملة” تهاوى أمام أول غارةٍ بعد توقيعه. فالحدود الميدانية لم تُحدَّد بدقة، وآلية الرقابة الدولية غائبة أو عاجزة، فيما تبقى التأويلات مفتوحة على مصراعيها: كل طرفٍ يقرأ البنود بما يخدم رؤيته الخاصة لما يسمّيه "الدفاع المشروع".
غزة… بين الشكّ والخذلان
لم يكن الغزيون ينتظرون معجزات من هدنةٍ يعلمون أنها وُلدت في مناخٍ من الشكّ، لكنهم تمنّوا –ولو لليلةٍ واحدة– أن يناموا دون أصوات القصف.
غير أن الخذلان جاء سريعًا، موجعًا، وكأن الاتفاق لم يُوقَّع إلا ليُختبر في اليوم التالي.
وكأن كل قلب يصرخ ناعيا أمل غزة الحزين:
“اعتدنا أن نُحصي الأنفاس بين القصف والقصف... لكننا لم نعتد أن نُكفّن الأمل بهذه السرعة.”
هذا الشعور الجمعي بالخذلان لا يعبّر فقط عن غضبٍ من خرق الهدنة، بل عن وعيٍ متراكمٍ بأن السلام في غزة لا يُمنح، بل يُنتزع بثمنٍ باهظ من الصبر والمقاومة والبقاء.
بين الركام.. شهادة الصمت
في مستشفى المعمداني، حيث نُقلت الجثامين الخمس، كان الأطباء يعملون بصمتٍ ثقيل.
قال أحدهم بصوتٍ متعبٍ يحمل كل ما لا تستطيع اللغة قوله:
“نُخرِجهم من تحت الردم، بينما العالم يحتفل بالسلام.”
كانت الجملة أقصر من أن توصف بالكلام، وأعمق من أن تُختصر بالتصريح.
فيها تختزل غزة كلها: المدينة التي لا تموت لكنها لا تُشفى، التي يكتب أطفالها دروس الصبر على الحجارة بدل الدفاتر.
سلامٌ هشّ... وذاكرةٌ لا تهدأ
الهدنة التي أُعلنت كبدايةٍ جديدة ليست سوى فصلٍ مكرّرٍ من مسرحٍ طويلٍ عنوانه: “هدنةٌ تُخرق، ثم يُتّهم الطرف الآخر، ثم يُفتح الباب لهدنةٍ جديدة.”
فالواقع الميداني لا يتغيّر كثيرًا بين اتفاقٍ وآخر، إلا في عدد البيوت المهدّمة والأسماء المضافة إلى قائمة الشهداء.
وتبقى غزة، رغم كل ذلك، تتشبث بما تبقّى من الأمل:
بكهرباء تأتي لساعاتٍ معدودة، وبأطفالٍ يلعبون بين الأنقاض وكأنهم يعلنون تحدّي الحياة، وبأمهاتٍ يُجدن دفن الدموع قبل الدفن الحقيقي.
الختام
الهدنة قائمةٌ نظريًا… لكنها تنزف واقعيًا.
والسلام الذي يُقاس في المؤتمرات بعدد البنود، يُقاس في غزة بعدد الليالي التي تمرّ بلا جنازات.
بين توقيعٍ وطلقة، بين وعدٍ وخذلان، تبقى غزة تكتب روايتها وحدها: رواية مدينةٍ تعلّمت أن تشهق تحت الركام، وتقول للعالم — رغم كل شيء —: “ما زلنا هنا.”