ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

تقرير| بين الهدن المكسورة ووعود السلام: ذاكرة غزة لا تنام

خلف الحدث

لم تكن الهدنة الأخيرة إلا فصلًا جديدًا في مسلسلٍ طويلٍ من الوعود المهدورة.
تُفتح الصفحات باسم “السلام”، ويُوقَّع القادة أمام عدسات الكاميرات، لكن ما إن تُغلق القاعات حتى تعود السماء لتكتب سطورها بالنار لا بالحبر.
منذ عقدين أو أكثر، لم تعرف غزة هدنةً حقيقية، بل فترات تنفسٍ قصيرة بين حربٍ وأخرى، كأنها استراحة محاربٍ لا سلامَ دائمًا له.

ذاكرة لا تُمحى: الهدن السابقة بين الأمل والانكسار

في عام 2014، بعد حربٍ استمرت واحدًا وخمسين يومًا، خرج الناس إلى الشوارع يستقبلون خبر “وقف إطلاق النار” بدموعٍ وتهليلات.
كان الاتفاق يومها بوساطةٍ مصرية، يحمل وعودًا بإعادة الإعمار وفتح المعابر ورفع الحصار تدريجيًا.
لكن سرعان ما عاد القصف، وكأن أحدًا لم يقرأ البنود أو يوقّعها.
لم يمضِ سوى أسابيع حتى عادت الطائرات لتقصف مناطق مأهولة، وسقطت الهدنة من أول اختبارٍ حقيقي لها.

وفي عام 2021، حين أُعلن عن “وقفٍ متبادلٍ لإطلاق النار”، عاش الغزيون لحظاتٍ خاطفة من الفرح، وخرج الأطفال يحملون الأعلام على أسطح المنازل.
لكن تلك الصور التي أبهجت العالم لم تدم طويلًا؛ فبعد شهور قليلة عاد صوت الانفجارات، وتلاشت وعود “التهدئة الدائمة” كما تلاشت وعود ما قبلها.

اليوم، وبعد توقيع اتفاقٍ جديدٍ بمباركةٍ دولية وضغوطٍ أمريكية، يعود المشهد ذاته: أوراقٌ تُوقَّع في الخارج، ودماءٌ تُراق في الداخل.
وكأن التاريخ في غزة يصرّ على تكرار نفسه بالملامح ذاتها، لكن على ورقٍ أكثر هشاشة، وواقعٍ أكثر قسوة.

هدنٌ تُوقَّع خارج الحدود وتُختبر داخل الجحيم

تجارب غزة مع الهدن تُثبت أن معظمها لا ينهار بسبب “الخيانة المباشرة”، بل بسبب غياب البنية الواقعية التي تضمن استمراره.
حين يُبرم اتفاقٌ على طاولةٍ بعيدة، دون إشراك أهل الأرض ولا فهمٍ لحقيقة الميدان، يصبح أشبه بظلٍّ لا جسد له.
القادة يتصافحون أمام الكاميرات، لكن الأرض لا تعرف لغة المصافحة.
تعرف فقط لغة التحليق والخوف والتأهب.

في كل مرةٍ، تطرح غزة السؤال ذاته، كأنها تختبر العالم من جديد:

 من الذي يضمن أن هذه الهدنة ليست سوى استراحةٍ قصيرة قبل انفجارٍ آخر؟
من الذي يضمن أن الليل القادم لن يُضاء بنيران الصواريخ من جديد؟

تحليل ما وراء الاتفاق: السياسة حين تلبس ثوب السلام

يرى المراقبون أن هذه الاتفاقات لا تقوم على نية صافية لوقف الحرب بقدر ما تقوم على توازنات مؤقتة بين أطرافٍ تبحث عن مكسبٍ سياسي أو ميداني.
فكل طرفٍ يسعى لتسجيل “نصرٍ رمزي” أمام جمهوره، حتى لو كان الثمن جولةً جديدة من الدم والمعاناة.
لهذا تتحول الهدنة من وسيلةٍ للسلام إلى أداةٍ للضغط والمساومة، ومن فرصةٍ للحياة إلى هدنةٍ تحت السلاح.

إسرائيل تُبلغ الأمم المتحدة بمنع دخول كل الشاحنات

في قلب هذا الجدل الميداني، جاء تصريحٌ صادم من إسرائيل للأمم المتحدة، مفاده أنها لن تسمح بدخول كل الشاحنات المُرسلة كمساعدات إلى غزة، بل ستُقيّد عددًا منها، وستُفرض آليات فحص وإجراءات أمنية دقيقة تُعقّد عملية التوزيع.
وفقًا لتقارير رويترز ووكالات أخرى، إسرائيل قلّلت حصة المساعدات بقرارٍ رسمي، ووضعت شروطًا مشدّدة قبل السماح بدخول الشاحنات، مستندة في ذلك إلى تأخيرات في تنفيذ بنود أخرى من الاتفاق — مثل تسليم جثث الرهائن.

هذا الإعلان كان له وقعٌ ميداني كبير: آلاف المدنيين الذين كانوا ينتظرون المساعدات الأساسية — غذاءً دواءً ماءً — وجدوا تأخيراتٍ جديدة، في ظلّ هدنةٍ مفترضة، في زمنٍ كان يُفترض أن تبطأ فيه دوّامات المعاناة.

فسقوط خمسة شهداء في أول يومٍ من الاتفاق لم يكن “خرقًا طارئًا”، بل علامة مبكرة على هشاشة الاتفاق من أساسه، كما أن منع أو تقييد دخول الشاحنات يؤكّد أن السلام لا يبدأ فقط بوقف إطلاق النار بل بمنع اختناق الحياة الإنسانية.

سلام بلا ضمانات.. وعدٌ بلا زمن

الحديث عن “سلامٍ دائم” في ظل غياب آلية رقابة ميدانية دولية، وعدم وجود جدولٍ واضحٍ لإعادة الإعمار أو فتح المعابر، يبدو أقرب إلى الشِعر منه إلى السياسة.
فما لم تُرفع المعاناة اليومية عن الغزيين، سيبقى أي اتفاقٍ مجرد بيان نوايا مؤقت.

غزة لا تحتاج إلى تهدئةٍ تُدار بالتصريحات، بل إلى نظامٍ عادلٍ يضمن الأمن والكرامة معًا، لا أن يُترك مصيرها رهينة لحسابات القوة ومواسم التفاوض.
المأساة ليست فقط في عودة الحرب، بل في أن العالم بات يتعامل مع عودتها كأمرٍ اعتياديّ، وكأن الدمار في غزة جزءٌ من نشرة الطقس اليومية للمنطقة.

في ذاكرة الغزيين: أصوات لا تُنسى

أهل غزة لا يحتفظون بتواريخ الاتفاقيات بقدر ما يحتفظون بأصوات الأيام التي تلتها.
يذكرون جيدًا متى توقفت صافرات الإنذار، ومتى عادت.
يتذكرون الليالي التي حملوا فيها أبناءهم إلى الملاجئ، واللحظة التي رأوا فيها بيوتهم تنهار في ثوانٍ.
ذاكرتهم ليست حبرًا على ورق، بل حجارةٌ نُقشت عليها ملامح الحياة والموت معًا.

في ذاكرة كل طفلٍ غزيٍّ، هناك تاريخٌ صغير يوازي كل هدنة كبرى، وفي قلب كل أمٍّ، قصةٌ لا تُكتب في بيانات الأمم المتحدة، بل تُروى على قبور الأبناء.

بين الرماد والأمل

قد تُكسر الهدنة، وقد تُوقَّع غيرها، وقد تُعلن جولةٌ جديدة باسم "التصعيد المحدود" أو "الردّ الدفاعي"، لكن الحقيقة الأعمق تبقى واحدة:
غزة لا تفقد قدرتها على الحياة.

فكل مرةٍ تنطفئ فيها الأنوار، يخرج طفلٌ من تحت الركام ليرسم على الجدار كلمة “سلام”.
وكل مرةٍ يُهدم فيها بيت، تُنصب خيمة، ويُعاد ترتيب الحياة من الفوضى.
كأن المدينة تقول للعالم:

“قد تهدمون الجدران، لكنكم لا تستطيعون هدم إرادتنا.”

غزة — تلك المدينة التي تتقن الصبر كما يتقن غيرها العيش — لا تنام، لأنها لا تستطيع أن تنسى.
ذاكرتها ليست لعنة، بل شاهدٌ خالد على أن الشعوب، مهما نزفت، لا تموت إلا حين تكفّ عن الحلم.

تم نسخ الرابط