ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حصاد 2025… عام الحروب الممتدة واتفاقات السلام الهشّة

خلف الحدث

لم يكن عام 2025 عامًا للنهايات الواضحة، بل عامًا للتعليق التاريخي.
تعليق الحسم، تعليق الانتصار، وتعليق السلام ذاته.
دخل العالم هذا العام محمّلًا بإرث ثقيل من الصراعات المفتوحة، وخرج منه باتفاقات تهدئة لم تُنهِ الحروب، لكنها أوقفت انزلاقها نحو انفجارات أوسع. وبين المدافع التي لم تصمت بالكامل، وطاولات التفاوض التي فُرضت كحل اضطراري، تشكّل عام 2025 بوصفه عامًا لإدارة الأزمات لا حلّها، واحتواء النار بدل إطفائها.

من غزة إلى أوكرانيا، ومن السودان إلى البحر الأحمر، لم تكن الجغرافيا هي ما يجمع هذه الصراعات، بل طبيعتها: حروب طويلة بلا أفق حسم، وسلام مؤقت بلا جذور سياسية عميقة.

أولًا: عام لم تبدأ فيه الحروب… بل استمرّت

في 2025، لم يشهد العالم اندلاع نزاعات كبرى جديدة بقدر ما شهد استدامة النزاعات القائمة.
كانت السمة الأبرز هي عجز الأطراف المتحاربة عن تحقيق نصر عسكري كاسر، وعجز المجتمع الدولي عن فرض تسويات نهائية.

في غزة، استمر الصراع الذي اندلع في 2023 ليبلغ ذروات إنسانية غير مسبوقة، قبل أن ينتهي باتفاق سلام هش ظل خاضعًا للاختبار الميداني والسياسي.
في أوكرانيا، تحولت الحرب إلى صراع استنزاف طويل، تحكمه خطوط تماس شبه ثابتة، وضغوط اقتصادية متبادلة، دون اختراق عسكري حاسم.
في السودان، انفجرت الحرب الداخلية إلى مستويات كارثية، وسط فشل دولي في فرض وقف دائم لإطلاق النار، وتحوّل البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا.
أما البحر الأحمر، فقد عكس تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الملاحة حجم التداخل بين النزاعات الإقليمية والحسابات الدولية.

القاسم المشترك بين هذه الساحات لم يكن توازن القوى، بل تراكم الخسائر دون أفق للنهاية.

ثانيًا: لماذا فُرض التفاوض في 2025؟

لم يأتِ التحول النسبي نحو التهدئة نتيجة انفراج سياسي، بل نتيجة إجهاد شامل:

عسكريًا، وصلت العديد من الجبهات إلى حالة استنزاف متبادل.
اقتصاديًا، تزايدت الكلفة على الدول المتحاربة وحلفائها.
داخليًا، تصاعد الضغط الشعبي في أكثر من دولة بسبب طول أمد الصراع.
دوليًا، تزايد الخوف من توسّع الحروب وتحولها إلى نزاعات إقليمية مفتوحة.

بعبارة أكثر دقة:
لم يختر العالم السلام بدافع القناعة، بل لجأ إليه هربًا من استمرار الحرب.

ثالثًا: غزة كنموذج لاتفاق بلا نهاية واضحة

مثّل اتفاق وقف إطلاق النار والسلام في غزة خلال 2025 النموذج الأكثر تعبيرًا عن طبيعة هذا العام.
فقد أوقف الاتفاق القتال الواسع، لكنه لم يُنهِ جذور الصراع.

تضمن الاتفاق وقفًا لإطلاق النار، وتبادلًا للأسرى والرهائن، وانسحابات جزئية، وفتحًا مشروطًا للمعابر، مع إطلاق مسار لإعادة الإعمار.
غير أن غياب تسوية سياسية شاملة، وانعدام الثقة بين الأطراف، وتعقيدات التنفيذ الميداني، جعلت الاتفاق معلقًا بين الاستمرار والانهيار.

كان الاتفاق ضرورة إنسانية عاجلة، لكنه ظل سياسيًا هشًا، قابلًا للاهتزاز مع أي تصعيد جديد.

رابعًا: أوكرانيا… الحرب التي تحولت إلى إدارة نزاع

في أوكرانيا، لم يكن 2025 عام السلام، لكنه لم يكن عام التصعيد الواسع أيضًا.
تحول الصراع إلى ما يشبه نزاعًا مُدارًا، تحكمه حسابات دقيقة:

ثبات نسبي في خطوط القتال.
دعم عسكري محسوب من الحلفاء.
ضغوط اقتصادية متبادلة.
رسائل سياسية غير مباشرة بين موسكو والغرب.

وبذلك، دخلت الحرب مرحلة انتظار: انتظار تغيّر ميزان القوى، أو تبدّل الإرادة الدولية.

خامسًا: السودان… الحرب التي فشل العالم في احتوائها

على النقيض من غزة وأوكرانيا، لم ينجح السودان في دخول مسار تهدئة فعلي خلال 2025.
تعطلت المبادرات، وتراجعت الأولوية الدولية، وترك المدنيون في مواجهة مصير بالغ القسوة.

شهدت البلاد نزوحًا واسع النطاق، وانهيارًا شبه كامل للخدمات الأساسية، وتفككًا متسارعًا لمؤسسات الدولة، دون أفق سياسي واضح.
ليصبح السودان المثال الأوضح على حدود قدرة النظام الدولي على إدارة الصراعات التي لا تمس المصالح الجيوسياسية الكبرى مباشرة.

سادسًا: صعود دور الوسطاء والسياسة الهادئة

في عام الحروب الطويلة، برزت أهمية الدول القادرة على التحدث مع جميع الأطراف.
وتقدم الدور المصري بوصفه نموذجًا لوساطة واقعية اعتمدت على التهدئة لا الاصطفاف، وعلى إدارة التوازنات لا فرضها.

في غزة، قادت القاهرة مسار مفاوضات معقدة متعددة الأطراف.
وفي الإقليم، تبنت مقاربة تقوم على احتواء التصعيد.
وعلى المستوى الدولي، مارست تأثيرًا هادئًا دون ضجيج إعلامي.

هذا الدور عكس تحولًا في مفهوم القوة، من النفوذ العسكري إلى النفوذ الدبلوماسي القادر على إدارة الأزمات.

سابعًا: لماذا كانت اتفاقات 2025 هشّة؟

اتسمت اتفاقات هذا العام بسمات مشتركة واضحة:
التركيز على وقف إطلاق النار دون معالجة الجذور السياسية للصراع.
غياب تسويات نهائية قابلة للاستدامة.
الاعتماد الكبير على الضمانات الدولية.
هشاشة الثقة بين الأطراف المتحاربة.

لذلك، لم تُقدَّم هذه الاتفاقات بوصفها نهايات، بل بوصفها محطات مؤقتة لتفادي الأسوأ.

ثامنًا: الكلفة الإنسانية… الثمن الذي لا يُختصر

في جميع الحروب الطويلة، كان المدنيون هم الخاسر الأكبر.
شهد عام 2025 ملايين النازحين، وانهيار أنظمة الصحة والتعليم، وظهور أجيال كاملة نشأت تحت القصف أو في المخيمات.
ورغم الاتفاقات، بقي التعافي أبطأ بكثير من حجم الدمار، ما ينذر بأزمات اجتماعية ونفسية ممتدة.

ماذا يقول لنا عام 2025؟

لم يكن 2025 عام السلام، ولا عام الحرب الشاملة.
كان عامًا بين الاثنين:
عام إدارة الأزمات لا حلّها،
عام الاتفاقات الضرورية لا العادلة،
وعام تقليل الخسائر لا إنهائها.

كشف هذا العام حقيقة صادمة:
أن النظام الدولي بات قادرًا على منع الانفجار الأكبر، لكنه لا يزال عاجزًا عن صناعة سلام عادل ومستدام.

ومع دخول 2026، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل كانت اتفاقات 2025 جسور عبور نحو الاستقرار؟
أم مجرد هدنة مؤقتة في حروب أطول؟

تم نسخ الرابط