ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في ذكرى رحيل آسيا داغر.. رائدة الإنتاج السينمائي وصانعة تاريخ الفن العربي

خلف الحدث

في مثل هذا اليوم، ودع العالم إحدى أبرز رائدات الفن العربي، الفنانة والمنتجة آسيا داغر، التي اطلق عليها لقبي «عميدة المنتجين» و «أم السينما المصرية» تقديرا لدورها المحوري في تأسيس صناعة سينمائية مزدهرة لعقود طويلة، لم تكن مجرد اسم في تاريخ السينما، بل شكلت ظاهرة فنية وإنسانية استثنائية ، أسست بعزيمتها وإصرارها مرحلة كاملة من تطور السينما المصرية والعربية، ويظل عطاؤها حاضرا في الذاكرة الفنية شاهدا على امرأة سبقت عصرها وصنعت مجدا لا يزول.
ولدت آسيا داغر، واسمها الحقيقي ألماظة غصون داغر، في 18 أبريل عام 1901 بقرية تنورين في لبنان، ونشأت في بيئة بسيطة، وتزوجت في سن مبكرة، ثم واجهت صدمة فقدان زوجها في ظروف سياسية صعبة شهدتها لبنان تحت الاحتلال الفرنسي، لتجد نفسها مسؤولة عن ابنتها الوحيدة، فقررت الهجرة إلى مصر عام 1923 بحثا عن الاستقرار وبداية جديدة.
استقرت في الإسكندرية لدى ابن عمها أسعد داغر الصحفي بجريدة الأهرام، برفقة ابنتها إيلين "منى داغر"، وابنة شقيقتها ماري كويني، التي شكلت معها لاحقا أحد أنجح الثنائيات في تاريخ السينما المبكرة، وبعد ذلك قررت خوض تجربة التمثيل في القاهرة لتأمين معيشة أسرتها، ودخلت الوسط الفني رغم عدم إجادتها القراءة والكتابة، معتمدة على ذكائها الفطري وطموحها الكبير، لتشارك عام 1927 في فيلم «ليلى» أحد أوائل الأفلام المصرية الصامتة، الذي فتح أمامها أبواب الفن.
وفي العام نفسه، أسست شركة «لوتس فيلم» بحي الزمالك للإنتاج والتوزيع السينمائي، لتصبح واحدة من أبرز شركات الإنتاج في تاريخ السينما المصرية، خاصة في فترة شهدت توقف شركات كبرى عن العمل، وقدمت أول إنتاجاتها فيلم "غادة الصحراء" عام 1929، وشاركت في بطولته أمام عبد السلام النابلسي ، محققا نجاحا كبيرا في مصر ودمشق، ليصبح أول فيلم مصري يعرض في سوريا ولبنان، وكرمتها الحكومة السورية بوسام الاستحقاق، إلى جانب 100 ليرة ذهبية وميدالية نقشت عليها صورتها وصنعت في باريس ،لتكون تلك المحطة انطلاقة حقيقية لمسيرة حافلة بالنجاحات.
وفي عام 1931، أنتجت ثاني أفلامها "وخز الضمير" بطولة أحمد جلال، وماري كويني، وحقق الفيلم نجاحا ملموسا، وكرمتها الحكومة المصرية بمنحها الجنسية المصرية عام 1933 ، كما اشترت وزارة المعارف نسخة منه بمبلغ 160 جنيها لعرضه كنوع من الدعاية السياحية، إذ تم تصويره في المتحف المصري، وأظهر الآثار المصرية في الأقصر وأسوان.
واصلت داغر تكوين ثلاثي فني ناجح مع ماري كويني وأحمد جلال ، الذي أخرج لها جميع أفلامها من الفترة 1933 حتى 1942، بدءا بفيلم "عندما تحب المرأة" الذي ركز على حب المرأة وتضحياتها، وتم اختياره كأفضل فيلم مصري ، وبعد زواجه من ماري كويني وتفرغه لإخراج أفلام استوديو «جلال» ، اتجهت للبحث عن مخرج آخر ، فوقع اختيارها على مساعد مخرج شاب هو هنري بركات ، الذي أخرج لها فيلم "الشريد" عام 1942.
شاركت آسيا كممثلة في عدد من الأفلام ، منها "تحت ظلال الأرز" عام 1922 ، "بنكنوت" 1936 ،"بنت الباشا المدير" 1938، "المتهمة" 1942، و "الهانم" 1947 ، لكنها توقفت عن التمثيل في أواخر الأربعينيات لتتفرغ للإنتاج، دون الإفصاح عن أسباب هذا القرار ، مكتفية بدورها خلف الكاميرا كصانعة للنجوم والأفلام.
لم تعتمد على الأسماء الجاهزة فقط، بل ساهمت في اكتشاف وتقديم عدد كبير من المخرجين والفنانين الذين أصبحوا لاحقا من أعمدة السينما المصرية، من بينهم هنري بركات، حسن الإمام، وكمال الشيخ ، كما قدمت فنانات تألقن في بداياتهن مثل فاتن حمامة ، صباح، وأسهمت في تشكيل ملامح جيل كامل من نجوم الشاشة.
كما أولت اهتماما خاصا بالأفلام التاريخية ، فأنتجت "شجرة الدر" عام 1935 كأول فيلم تاريخي مصري ناطق ، ثم "أمير الانتقام" 1950 ، وفيلم "رد قلبي" عام 1957 للأديب يوسف السباعي ،والذي حقق نجاحا واسعا وأدرج ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وكان من أوائل الأفلام المصرية الملونة ، وبعد هذا النجاح ، خاضت تجربة إنتاجية ضخمة بفيلم "الناصر صلاح الدين " عام 1963، الذي عد أضخم إنتاج سينمائي في وقته، بتكلفة بلغت 200 ألف جنيه، وهي أعلى ميزانية لفيلم مصري آنذاك ، ورغم قيمته الفنية الكبيرة ،تسبب ضعف تسويقه في خسائر مادية جسيمة أثرت على وضعها المالي، وحصلت من وزارة الثقافة على 3 آلاف جنيه مصري كمساهمة بسيطة لتعويض خسارتها ، ما أدى إلى إفلاسها والحجز على منزلها وممتلكاتها.
سارت ابنتها منى داغر على خطى والدتها ، ودخلت عالم التمثيل لتصبح واحدة من أشهر نجمات الأربعينات، واشتهرت بأدوار الفتاة الشريرة ، قبل أن تعتزل الفن في منتصف الخمسينيات بعد زواجها، مكتفية بالأدوار الثانية التي شاركت فيها.
وحصلت "عميدة السينما" علي العديد من الجوائز تقديرا لمسيرتها الفنية المتميزة ، من أبرزها وسام الاستحقاق اللبناني، والجائزة الأولي في الإنتاج السينمائي عام 1950 ، جائزة خاصة من جامعة الدول العربية عن فيلم "الناصر صلاح الدين" ، وجائزة الدولة للرواد في مهرجان اليوبيل الذهبي للسينما المصرية تقديرا لمساهمتها الريادية في التمثيل والإنتاج، بالإضافة لجائزة الرواد من جمعية كتاب ونقاد السينما ،و الجائزة الأولي في الإنتاج في مسابقة الدولة للسينما عن فيلمي "حياة أو موت" و "رد قلبي".
وفي 12 يناير عام 1986، رحلت آسيا داغر عن عمر ناهز 85 عاما، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود، لتبقى نموذجا فريدا للمرأة العربية القوية التي كسرت القيود، وآمنت بحلمها، وصنعت من الشغف والإرادة تاريخا خالدا، لتظل سيرتها مصدر إلهام للأجيال، ودليلا على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يظل حيا بقدر ما يتركه من أثر في الوجدان.

تم نسخ الرابط