ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ثار خلاف فقهي وقضائي حول تفسير نص المادة ٣٠٨ من قانون العقوبات، التي تقضي بتشديد العقوبة في بعض الجرائم، وعلى الأخص جريمتي القذف والسب، متى انطوت على طعن في أعراض الأفراد أو خدش في سمعة العائلات. وقد أوجب هذا النص الجمع بين عقوبتي الحبس والغرامة في الحدود المبينة بالمواد المحال إليها، وهي مواد كانت تختلف فيما بينها في مقدار العقوبة السالبة للحرية، إذ تراوحت بين الحبس لمدة سنة والحبس لمدة سنتين.

      وقد ظهر هذا الخلاف عقب صدور القانون رقم ١٤٧ لسنة ٢٠٠٦، الذي ألغى عقوبة الحبس في عدد من جرائم النشر، وفي مقدمتها القذف والسب، وهي الجرائم ذاتها التي كانت المادة ٣٠٨ تحيل إلى نصوصها لتحديد مقدار العقوبة التي يتعين على القاضي الالتزام بها.

     وعلى إثر ذلك، انقسم قضاء محكمة النقض إلى اتجاهين متعارضين، أولهما ذهب إلى أن إلغاء عقوبة الحبس في جرائم القذف والسب ينسحب أثره بالضرورة على حكم المادة ٣٠٨، وثانيهما تمسك ببقاء عقوبة الحبس المنصوص عليها في هذه المادة، باعتبارها عقوبة مستقلة لم يمسها الإلغاء التشريعي

     وإزاء هذا التباين، عُرض الأمر على الهيئة العامة للمواد الجنائية بمحكمة النقض في ١٣ نوفمبر ٢٠٢٤، التي انتهت إلى الأخذ بالمبدأ القائل باستمرار سريان العقوبة السالبة للحرية المنصوص عليها في المادة ٣٠٨. وقد أسست الهيئة قضاءها على ما استخلصته من الأعمال التحضيرية للقانون رقم ١٤٧ لسنة ٢٠٠٦، ومضابط مناقشات مجلس الشعب، والمذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، معتبرة أن المشرع تعمد الإبقاء على التشديد المقرر بالمادة ٣٠٨ باعتبارها نصا مستقلا بذاته، يعالج صورا مشددة من جرائم النشر تمس العرض وسمعة العائلات.

              * غير أن هذا القضاء يثير إشكالا دستوريا جديا،  إذ ينطوي على تجاوز لحدود التفسير الكاشف لإرادة المشرع إلى تفسير منشئ لعقوبة سالبة للحرية، بالاستناد إلى مضابط المناقشات البرلمانية والمذكرة الإيضاحية، وهي وسائل تفسيرية لا تغني عن ضرورة تدخل تشريعي صريح لاحق يحدد العقوبة المقيدة للحرية. فصياغة النص التشريعي تظل التعبير الملزم والنهائي عن إرادة المشرع، ولا يُلجأ إلى الوسائل التفسيرية الاحتياطية إلا عند غموض النص، دون أن يجوز الارتكان إليها لتقييد مدلوله الواضح أو توسيع نطاق التجريم والعقاب، اتساقا مع مبدأ الشرعية الجنائية.
         وإذا كانت الفقرة الثانية من المادة ٧١ من دستور ٢٠١٤ قد قررت أصلا عاما يقضي بحظر العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، مع إجازة استثناءات محددة من بينها الطعن في أعراض الأفراد، فإن الدستور لا ينشئ بذاته عقوبة جنائية، ولا يقوم مقام النص التشريعي الواجب إعادة ضبطه في ضوء الضمانات الدستورية المستحدثة. كما يصطدم هذا الاتجاه القضائي بالقاعدة المستقرة في التفسير الجنائي التي توجب ترجيح التفسير الأضيق والأخف أثرا على الحرية الشخصية، لا التمسك بإطلاق النص على نحو يؤدي إلى إعادة بعث عقوبة أُلغي أصلها تشريعيا، فإذا دار النص بين تفسيرين، أحدهما يؤدي إلى تقييد العقوبة والآخر إلى توسيعها، تعين الأخذ بالأخف.

    وتؤكد المادة ٩٥ من الدستور هذا المعنى بنصها على أن «العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون»، وهو مبدأ لا يقتصر على حظر القياس في مجال التجريم، بل يمتد ليشمل حظر كل تفسير قضائي يؤدي إلى إنشاء عقوبة أو إحيائها دون نص تشريعي صريح. وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي أن تكون النصوص العقابية واضحة الدلالة، محددة المعالم، لا لبس فيها ولا غموض، حتى يتحدد على وجه يقيني نطاق التجريم والعقاب، وأن غموض النصوص العقابية يؤدي إلى انفلاتها من ضوابطها وتعدد تأويلاتها.

        * نرى أن الصياغة الحالية للمادة ٣٠٨ من قانون العقوبات قد أضحت غير صالحة للتطبيق بعد إلغاء عقوبة الحبس في المواد التي تحيل إليها، إذ لا يستقيم منطقا ولا قانونا الجمع بين عقوبتين إحداهما ألغيت بنص صريح من القانون. والقول بغير ذلك مؤداه استحداث عقوبة سالبة للحرية جديدة، غير محدد لها حد أدنى أو حد أقصى، ولم تكن قائمة أصلا في النصوص التي قامت عليها الإحالة، وهو ما يمثل إنشاء لعقوبة بغير نص، ومخالفة لمبدا الشرعية الجنائية بجميع تجلياته، الأمر الذي يقتضي تدخل المشرع بتعديل النص بما يتسق مع إلغاء العقوبة السالبة للحرية في النصوص التي كانت تحيل إليها.

                   النص المقتــــــــــــــــــــــــــــــــرح

—————————-                             .

نص المادة ٣٠٨ من قانون العقوبات (المقترح):

   «إذا تضمن العيب أو الإهانة أو القذف أو السب، المرتكب بإحدى الطرق المبينة في المادة ١٧١، طعنا في عرض الأفراد أو خدشا لسمعة العائلات، تكون العقوبة الحبس مدة لا تجاوز سنتين، والغرامة في الحدود المبينة في المواد ١٧٩ و١٨١ و١٨٢ و٣٠٣ و٣٠٦ و٣٠٧.

   فإذا وقع الفعل بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات، أو عبر المواقع الإلكترونية أو الحسابات الشخصية المتاحة للجمهور على منصات التواصل الاجتماعي، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز ثلاث سنوات، والغرامة التي لا تقل عن نصف حدها الأقصى».

                   {مستخرج من كتابنا «جرائم النشر والإعلام»
                                       (الكتاب الأول)،
                                        طبعة ٢٠٢٦،
                   ملخص البندين ٤٩٦ و٤٩٧ ص ١٠٠١ وما بعدها}

تم نسخ الرابط