ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ألقوا جثته بالترعة.. تخفيف عقوبة أب ونجله في واقعة قتل بالمنيا بعد الصلح وانتفاء سبق الإصرار

المحكمة برئاسة المستشار
المحكمة برئاسة المستشار طه عبد الله عبد العظيم

في حكم قضائي يحمل أبعادًا إنسانية وقانونية عميقة، أعادت محكمة الاستئناف بالمنيا برئاسة المستشار طه عبد الله عبد العظيم، تشكيل ملامح العدالة في واحدة من القضايا الجنائية الشائكة، بعدما انتهت إلى تخفيف العقوبة الصادرة بحق متهمين في واقعة قتل، مستندة إلى انتفاء ظرف سبق الإصرار وثبوت الصلح مع أسرة المجني عليه.

وكشفت حيثيات الحكم عن رؤية متوازنة جمعت بين صرامة القانون وروح العدالة، حيث أكدت المحكمة أن الواقعة لم تكن وليدة تخطيط مسبق، بل جاءت نتيجة مشاجرة مفاجئة في لحظة انفعال، وهو ما أسقط أحد أهم ظروف التشديد، وهو سبق الإصرار.

ولم تقف المحكمة عند حدود التكييف القانوني فقط، بل امتدت لتأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني والاجتماعي، بعدما ثبت تصالح والدة وزوجة المجني عليه مع المتهمين، في خطوة اعتبرتها المحكمة تعبيرًا صادقًا عن إرادة حرة، ومؤشرًا على زوال قدر كبير من الآثار الاجتماعية للجريمة.

واستندت المحكمة في حكمها إلى فلسفة تشريعية حديثة، أبرزها التعديل الأخير لقانون الإجراءات الجنائية، والذي أتاح الصلح في بعض الجرائم وأقر أثره في تخفيف العقوبة، معتبرة إياه قانونًا أصلح للمتهم، حتى قبل دخوله حيز النفاذ، بما يعكس توجهًا نحو تحقيق التوازن بين الردع والرحمة.

وانتهت المحكمة إلى تعديل الحكم، مكتفية بمعاقبة المتهم الأول بالحبس لمدة عام، والثاني بالحبس ستة أشهر، مؤكدة أن العقوبة في صورتها الجديدة تحقق الردع بنوعيه، دون مغالاة أو إفراط، وتجسد مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب.

ويبرز هذا الحكم كأحد النماذج القضائية التي تعكس تطور الفكر القانوني في التعامل مع الجرائم ذات الطابع الإنساني المعقد، حيث لم يعد العقاب مجرد جزاء، بل أداة لتحقيق التوازن المجتمعي وإعادة الاستقرار بين أطراف النزاع.

المحكمة: الواقعة وليدة لحظة غضب لا ترقى لسبق الإصرار.. والصلح يخفف العقوبة

قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة المستشار طه عبدالله عبد العظيم وعضوية المستشارين مصطفى ربيع عبد العظيم ومحمد محمود حلمي، بحضور مصطفى سيد حامد وكيل النيابة، وأمانة سر محمود شعبان، في الاستئناف رقم 150 لسنة 3 قضائية، المقيدة برقم 17045 لسنة 2025 جنايات مركز غرب سمالوط، والمقيدة برقم 2514 لسنة 2025 كلي جنوب المنيا، المرفوع من عبد الرحمن حسين.

وبجلسة اليوم، نُظر الاستئناف على النحو المبين تفصيلًا بمحضر الجلسة.

وبعد سماع طلبات النيابة العامة، والمستأنف، ومطالعة الأوراق، وسماع المرافعة الشفوية، والمداولة قانونًا، حيث إنه من المقرر قانونًا أنه يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تحيل إلى الحكم المطعون فيه في بيان الوقائع المستوجبة للعقوبة، وفي بيان النصوص الواجبة التطبيق، سواء كان حكمها بتأييد الحكم المطعون فيه أو بإلغائه أو تعديله.

ولما كان ذلك، وكانت الواقعة المستوجبة للعقوبة والنصوص الواجبة التطبيق قد سبق وأن أحاط بها الحكم المطعون فيه، ومن ثم تأخذ به المحكمة وتحيل إليه تفاديًا للتكرار، وإن كانت توجزها بالقدر اللازم لحمل قضاء هذا الحكم على أسبابه، في أن النيابة العامة أسندت إلى المستأنفين:

جمال محمد ليثي يونس، وهشام جمال محمد ليثي يونس،

لأنه في يوم 1/8/2025 بدائرة مركز سمالوط غرب بمحافظة المنيا:

أولًا: المتهم الأول
قتل المجني عليه مصطفى جمال محمد ليثي عمدًا مع سبق الإصرار، بأن بيت النية وعقد العزم المصمم على قتله، وأعد لهذا الغرض أداة (عصا حديد)، وما إن ظفر به حتى كال له عدة ضربات على رأسه، فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية المرفق، والتي أودت بحياته، قاصدًا من ذلك قتله، وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

وأحرز أداة (عصا حديد) مما تُستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون أن يوجد لحملها مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية.

ثانيًا: المتهمان
أخفيا جثة المجني عليه مصطفى جمال محمد ليثي، بأن قاما بإلقائها بالمجرى المائي لإحدى الترع دون إخبار جهات الاختصاص، وقبل الكشف عليه وتحقيق حالة الوفاة وأسبابها، وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

وطلبت معاقبتهما بالمواد 230، 231، 239 من قانون العقوبات، والمواد 1/1، 25 مكرر/1، 30/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام 165 لسنة 1981، و5 لسنة 2019، و163 لسنة 2022، والبند 7 من الجدول رقم واحد الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007.

وحيث إن محكمة أول درجة نظرت تلك الجناية، وبجلسة 10/1/2026 أعملت المادة 32 من قانون العقوبات بشأن الارتباط بين التهمتين المسندتين إلى المستأنف الأول، وقضت بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عن التهمتين الأولى والثانية، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، بعد تعديل القيد والوصف إلى ضرب أفضى إلى موت مع سبق الإصرار، وبمعاقبة المستأنف الثاني بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة، عملاً بالمواد 236/1، 236/2، 239 من قانون العقوبات.

1/1 ، 25 مكرر/1 ، 30/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام 165 لسنة 1981، و5 لسنة 2019، و163 لسنة 2022، والبند 6 من الجدول رقم واحد الملحق بالقانون الأول والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007.

وحيث لم يلق هذا الحكم قبولًا لدى المستأنفين، فطعنا عليه بطريق الاستئناف، عملاً بالمادتين 419 مكرر و419 مكرر 4/1 من قانون الإجراءات الجنائية، والمضافة بالقانون رقم 1 لسنة 2024، بموجب تقرير استئناف موقع منهما أودع قلم كتاب المحكمة بتاريخ 21/1/2026.

وحيث مثل المستأنفون ودفاعهما بجلسة المحاكمة أمام المحكمة، وطلبت النيابة العامة تأييد الحكم المستأنف، وسمعت المرافعة في الأوجه التي يستند إليها المستأنفون في استئنافهما، كما مثل والد ووالدة المجني عليه وأثبتا تصالحهما مع المتهم بصفتهما ورثة المجني عليه، ودفع الحاضر مع المستأنفين بذات الدفوع التي أبداها أمام محكمة أول درجة، وانتهى إلى طلب قبول الاستئناف شكلاً وإلغاء الحكم المستأنف والقضاء ببراءة المستأنفين، واحتياطيًا طلب استعمال الرأفة، وذلك على نحو ما هو مبين بمحضر الجلسة.

وحيث إن الاستئناف قد استوفى الشكل المقرر قانونًا، نزولًا على المادتين 419 مكرر و419 مكرر 4/1 من قانون الإجراءات الجنائية والمضافة بالقانون رقم 1 لسنة 2024، ومن ثم يكون مقبولًا شكلاً.

وحيث إنه عن موضوع الاستئناف، فإن المحكمة بادئ ذي بدء تنوه أنها لا تساير محكمة أول درجة بشأن توافر ظرف سبق الإصرار، فلما كان من المقرر أن سبق الإصرار هو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني وتستفاد من وقائع خارجية، بما تستلزمه من أن يكون الجاني قد فكر فيما اقترفه وتدبر عواقبه وهو هادئ البال بعد إعمال فكر وروية، أي يجب أن يسبق الجريمة زمن يكون قد فكر فيه ورتب ما عزم عليه ووازن بين مزاياه وأخطاره وتدبر عواقبه، ثم يخرج مصممًا على ارتكاب الجريمة، كما يتحقق بإعداد وسيلة الجريمة ورسم خطة تنفيذها بعيدًا عن ثورة الانفعال، مما يقتضي الهدوء والروية قبل ارتكابها، لا أن تكون وليدة الدفعة الأولى في نفس جاشت بالاضطراب وجمح بها الغضب حتى خرج صاحبها عن طوره.

وبطرح ذلك على بساط الدعوى، وكان الثابت من الملابسات المحيطة بالجريمة أن الواقعة قد حدثت وليدة اللحظة نتيجة حدوث مشاجرة بين المتهم والمجني عليه، وقد استقر في يقين المحكمة أن المستأنف الأول (والد المجني عليه) لم يكن مدفوعًا إلى فعلته بطبع إجرامي أصيل، وإنما ساقته إليها ظروف قاهرة ومعاناة ممتدة، إذ ابتلي بابن انحرف سلوكه تحت وطأة تعاطي المخدرات، وجعل من والديه هدفًا دائمًا لاعتداءاته قولًا وفعلًا، غير عابئ بحرمة ولا وازع.

وقد بلغت تلك الاعتداءات حدًا جسيمًا أرهق نفس والده المستأنف الأول وأثقل كاهله، فكان يهدده بسلاح أبيض تارة طالبًا مبالغ مالية لصرفها على ملذاته الآثمة من تعاطي المواد المخدرة، ويصفعه ويجذبه تارة أخرى، حتى أضحى في حالة من الضيق والاضطراب تُضعف من قدرته على التحكم في انفعالاته، مما لا شك أن مثله الذي أُوذي واهتُيج ظلمًا وطغيانًا من فلذة كبده، والذي كان ينتظر أن يتجدد إيقاع هذا الأذى الفظيع به، لا شك أنه إذا اتجهت نفسه إلى ضرب معذبه فإنها تتجه إلى هذا الجرم موتورًا مما كان منزعجًا واجفًا مما سيكون.

والنفس الموتورة المنزعجة هي نفس هائجة لا يدع انزعاجها سبيلًا لها إلى التصبر والسكون حتى يحكم العقل — هادئًا متزنًا مترويًا — فيما تتجه إليه الإرادة من الأغراض الإجرامية التي تتخيلها قاطعة لشقائها، ولا شك بناءً على ذلك أنه لا محل للقول بسبق الإصرار، إذ إن هذا الظرف يستلزم أن يكون لدى الجاني من الفرصة ما يسمح له بالتروي والتفكير المطمئن فيما هو مقدم عليه، الأمر الذي تنتهي معه المحكمة إلى انتفاء ظرف سبق الإصرار عن الواقعة.

وحيث إنه ولما كان من المقرر ووفقًا لنص المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 المعدل والتي تنص على: (مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى، إلى أن يصدر فيها حكم بات، في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236/ (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات.

ولما كانت تلك القاعدة تُعد في جوهرها «قاعدة موضوعية» تُقيّد حق الدولة في العقاب، لأنها تُلزم بتخفيف العقوبة وفق المادة 17 من قانون العقوبات إذا ثبت الصلح في جرائم محددة، من بينها الضرب المفضي إلى موت، وكان وقت تطبيق النص يبدأ من يوم صدور القانون بتاريخ 12 نوفمبر 2025، حتى ولو كان ميعاد العمل به مؤجلًا إلى 1 أكتوبر 2026، فإنه يتعين التمييز بين «صدور القانون» الذي يكفي لإعمال القانون الأصلح، و«نفاذه» الذي يرتبط بالأصل العام لعدم الرجعية.

وبموجب هذه القاعدة، يصبح القانون الجديد – وفقًا للمنطق – ساريًا عمليًا على الدعاوى التي لم يصدر فيها حكم بات منذ لحظة صدوره، بما يفتح مسارًا قانونيًا جديدًا أمام المحكوم عليهم في قضايا الضرب المفضي إلى موت وغيرها مما نص عليه القانون في مادته الثانية والعشرين، متى أمكن إثبات الصلح. كما أن القانون الجنائي الأصلح للمتهم يُعمل به من تاريخ صدوره ولو أُرجئ ميعاد العمل به، باعتبار أن معيار الإعمال في نطاق رجعية القانون الأصلح يتصل بتاريخ صدور النص لا بتاريخ بدء سريانه.

ولما كانت المحكمة ترى، من ظروف الدعوى، إعادة النظر في تقدير العقوبة، إذ ثبت حضور كلٍّ من والدة المجني عليه وزوجته، وقررتا صراحةً تصالحهما مع المستأنفين وتنازلهما عن حقوقهما قبلهما، وهو تنازل تطمئن إليه المحكمة وتعتبره تعبيرًا صادقًا عن إرادتهما الحرة.

ولما كان قد صدر القانون رقم 174 لسنة 2025 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية، متضمنًا في مادته الثانية والعشرين إجازة الصلح مع ورثة المجني عليه في جرائم القتل والضرب المفضي إلى موت وغيرها مما شمله ذلك التعديل، وما يترتب عليه من أثر في تخفيف العقوبة، بما مؤداه اتجاه المشرع إلى إعلاء قيمة الصلح الاجتماعي وتخفيف حدة العقاب متى تحقق هذا الصلح.

وإذ كان هذا القانون – وعلى ما نص عليه – لم يدخل حيز النفاذ بعد، إذ حدد المشرع لسريانه تاريخ الأول من أكتوبر سنة 2026، فإنه لا يجوز تطبيقه تطبيقًا مباشرًا على الواقعة محل الدعوى، إلا أن ذلك لا يحول دون الاستهداء به باعتباره قانونًا أصلح للمتهم، خاصة وقد استقر القضاء على أن القانون الأصلح للمتهم يجوز الاعتداد به من تاريخ صدوره متى تحققت شروط تطبيقه، ولو لم يدخل حيز التنفيذ الفعلي بعد، باعتبار أن العبرة في هذا الخصوص بصدور القانون لا بتاريخ نفاذه، طالما كان أصلح للمتهم ومحققًا لغاية الرأفة التي ابتغاها المشرع من ذلك القانون، والتي تتوافق وأحكام الشريعة الإسلامية التي نص عليها الدستور باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع.

ولما كان الثابت بالأوراق تحقق الصلح بين المستأنفين وذوي المجني عليه (والدته وزوجته) بصفتهما ورثته الشرعيين، وهو الشرط الجوهري الذي تطلبه النص سالف البيان لإعمال أثره، فإن المحكمة ترى أن هذا الظرف – في ضوء الاتجاه التشريعي الحديث وما استقر عليه القضاء – يُعد من الأسباب الجوهرية التي تبرر استعمال الرأفة في حق المستأنفين.

وحيث إن المحكمة – وإن كانت لا تطبق نص المادة 22 من القانون المشار إليه تطبيقًا مباشرًا – إلا أنها تستلهم منه ومن فلسفته ما يدعم سلطتها المخولة لها بمقتضى المادة 17 من قانون العقوبات، والتي تجيز لها النزول بالعقوبة إلى الحد الذي تراه كافيًا متى رأت في ظروف الدعوى ما يبعث على الرأفة.

ولما كانت المحكمة قد فطنت إلى جسامة الفعل المرتكب وخطورته في ذاته، فإنها في الوقت ذاته لم تغفل ما أحاط به من ظروف وملابسات، وما طرأ عليه من مستجدات لاحقة كان لها بالغ الأثر في تقدير الجزاء، فوازنت بين جسامة الجرم وظروفه، وبصّرت بملابساته وبواعثه، وقدّرت نتائجه.

وآثاره، وانتهت إلى أن العقوبة المقضي بها – على النحو سالف البيان – قد جاءت في حدها الأدنى الذي يكفل تحقيق الردع بنوعيه، العام والخاص، دون إفراط يجاوز مقتضى العدل، أو تفريط يخل به. وإذ تلوح للمحكمة في الأوراق دلائل الصفح والتصالح، وما ينم عنه ذلك من انحسار الأثر الاجتماعي للجريمة واندثار دواعي الضغينة، فإنها ترى أن العقوبة التي ستقضي بها قد أتت متناسبة مع خطورة الفعل وثقل نتائجه، ومتكافئة مع شخصية الجاني وظروفه، والمجني عليه وسوابقه، محققةً للغاية المنشودة من العقاب، كافلةً لصون المجتمع وردع غيره، دون مغالاة في التشديد أو مجافاة لاعتبارات الرحمة.

ومن ثم، فإن المحكمة تقضي بهذه العقوبة، وهي على يقين بأنها تمثل ميزانًا دقيقًا بين مقتضيات العدالة واعتبارات الرأفة، وتُجسد تطبيقًا سليمًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، في إطار من الشرعية وسيادة القانون.

وإذ توازن المحكمة بين جسامة الفعل وظروف ارتكابه، وتُعمل صحيح حكم القانون، فإنها ترى في الواقعة ما يبعث على الرأفة، الأمر الذي يبرر النزول بالعقوبة عملًا بنص المادة 17 من قانون العقوبات، مكتفيةً بمعاقبة المستأنف الأول (والد المجني عليه) بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عن تهمتي الضرب المفضي إلى موت – بعد تجريده من ظرف سبق الإصرار – والتهمة الثانية وهي إخفاء جثة المجني عليه، وبمعاقبة المستأنف الثاني (شقيق المجني عليه) بالحبس لمدة ستة أشهر عن التهمة الثانية وهي إخفاء جثة المجني عليه، إعمالًا لسلطتها التقديرية وتحقيقًا للعدالة التي لا تقوم على مجرد التجريد، بل على فهم دقيق لظروف البشر وما يحيط بهم من آلام وضغوط.

وترى المحكمة في تحقق الصلح، وما انطوى عليه من زوال قدر كبير من الآثار الاجتماعية للجريمة، فضلًا عن خصوصية العلاقة بين المتهم والمجني عليه، ما يبعث على استعمال الرأفة، فإنها تقضي – عملًا بنص المادة 17 من قانون العقوبات – بالنزول بالعقوبة المقضي بها على نحو ما سلف بيانه، وعلى نحو ما سيرد بالمنطوق، باعتبارها عقوبة كافية لتحقيق الردع بنوعيه العام والخاص.

وحيث إنه عما نعاه المستأنفان بأسباب استئنافهما ودفوعهما ومرافعتهما، فإن الثابت أن الحكم المستأنف قد بيّن واقعة الدعوى على نحو واضح، وحصّلها تحصيلًا سليمًا، بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان المستأنفين بها، وأورد على ثبوتها في حقهما أدلة مستمدة من أقوال شهود الواقعة، وتحريات المباحث وأقوال مجريها، وما ثبت بتقرير الصفة التشريحية، وهي أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها.

ولما كان ذلك، وكان الحكم المستأنف قد بيّن مضمون الأدلة، خلافًا لما ذهب إليه دفاع المستأنفين، وكان من المقرر قانونًا أن القانون لم يرسم شكلًا خاصًا يُصاغ فيه الحكم لبيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا لتفهم الواقعة بأركانها وظروفها – حسبما استخلصتها محكمة أول درجة – وتتوافر به جميع الأركان القانونية للجريمة التي دان بها المستأنف، كان ذلك محققًا لحكم القانون، ويكون ما ينعاه المستأنفان على الحكم في غير محله.

ولما كان ما تقدم، وكان من المقرر قانونًا أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بُني عليها، فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها، بل يكفي أن تحيل عليها، إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها، وتدل على أن المحكمة اعتبرتها كأنها صادرة منها.

ومن المقرر أيضًا أن لمحكمة الدرجة الثانية أن تأخذ بأسباب الحكم الابتدائي دون إضافة، متى رأت في هذه الأسباب ما يغني عن إيراد أسباب جديدة، طالما كانت تلك الأسباب كافية لحمل قضائه ومتضمنة الرد المسقط لأسباب الاستئناف.

وحيث إنه عن إنكار المستأنفين بجلسة المحاكمة، فالمحكمة لا تعول عليه، باعتباره سبيلهما الوحيد للإفلات من العقاب عما اقترفاه من جرم وتورطا فيه، فضلًا عن مجافاته لأدلة الثبوت التي بسطتها المحكمة على النحو المتقدم.

ولما كانت المحكمة قد اطمأنت إلى أدلة الثبوت على السياق المتقدم، فإنها لا تطمئن إلى ما أثاره الدفاع من دفوع موضوعية أخرى، قوامها إثارة الشك فيما اطمأنت إليه المحكمة من أدلة الثبوت، ومن ثم تطرحها ولا تعول عليها.

وهدياً بما تقدم، وكان الحكم المستأنف قد بيّن كافة وقائع الدعوى بيانًا كافيًا، بما تتوافر به جميع العناصر القانونية للجريمة المسندة إلى المستأنفين، واستخلص ثبوتها في حقهما من خلال الأدلة السائغة التي أوردها، والتي لها معينها الصحيح من أوراق الدعوى، وخلص صائبًا إلى معاقبتهما طبقًا لصحيح مواد العقاب، وخلا الحكم المستأنف من مخالفة القانون أو الخطأ في تأويله، ولم يأتِ استئناف المستأنفين بجديد ينال من سلامة الحكم المستأنف، فإن المحكمة تطمئن إلى تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بُني عليها، محمولًا على أسبابه، وللأسباب التي أضافتها المحكمة، الأمر الذي يتعين معه الحكم في موضوع الاستئناف برفضه وتأييد الحكم المستأنف، إلا أن المحكمة تعدل العقوبة المقضي بها بموجب السلطة المخولة لها في هذا الشأن، وذلك إعمالًا لنص المادة 417/3 من قانون الإجراءات الجنائية، والمادة 17 من قانون العقوبات، وفقًا لحكم محكمة أول درجة وما أضافته المحكمة من أسباب، وذلك على النحو الذي سيرد بالمنطوق.

وحيث إنه عن المصاريف الجنائية، فالمحكمة تُلزم بها المستأنفين عملًا بالمواد 313، 314، 419 مكرر/3 من قانون الإجراءات الجنائية المعدل والمضاف بالقانون رقم 1 لسنة 2024.

فلهذه الأسباب، حكمت المحكمة بقبول الاستئناف شكلًا، وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف، والاكتفاء بمعاقبة جمال محمد ليثي يونس بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عن التهمتين الأولى والثانية، وبمعاقبة هشام جمال محمد ليثي يونس بالحبس لمدة ستة أشهر عن التهمة الثانية، وألزمتهما المصاريف الجنائية.

تم نسخ الرابط