ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

القاضي سامح عبد الله يكتب: ولماذا لا يأكلون الجاتوه ..؟!

القاضي سامح عبد الله
القاضي سامح عبد الله

إذا كنت ممن يحبون التمشية الصباحية على كورنيش الإسكندرية كما أصنع، لابد وأن صادفك يوماً مشهد عمال النظافة وهو يتناولون فطورهم على حافة من رصيف البحر.
فطار بسيط للغاية بطله هو الخبز.
لا يهم أي نوع من الخبز.
المهم هو أن تمتلأ به البطون الخاوية وأن تظل ممتلئة به أطول فترة ممكنة.
لا يعرف هؤلاء سوى هذا النوع زهيد الثمن من الخبز. ينكبون على قطعة من الجبن أو طبق من الفول أو حبات من الفلافل، لا أكثر من ذلك.
لا يذكر أحدهم وهو يتناول هذه الوجبة شيئاً عن السعرات الحرارية أو مضار الدقيق الأبيض أو مساوئ تناول هذا النوع من الغذاء بالجملة.
لم يسمعوا أو يقرؤوا شيئاً عن تخريفات غذائية أو عن أصحابها.
لا يهتمون بتاتاً عن ببرامج الأغذية والاكتشافات الرهيبة التي يروجها تجار جدد يرتدون ثوب العلم، والعلم منهم براء.
هذا المشهد الذي لا بد وأن يصادف المشائين له دلالة هامة جداً – على الأقل لدي أنا– ألا وهي أن كثيراً من الناس في حاجة إلى بطل حتى ولو كان بطل من سراب.
النفس الخاوية دائماً في حاجة إلى هذا البطل الذي يشبع لديهم فراغاً هائلاً في نفوسهم.
مجرد الانقياد وراء هذا البطل السرابي والتعصب لما يقوله يشعر صاحبه بإحساس كاذب بالانتماء.
هذا الإحساس يعطيه إيحاءً كاذباً أيضاً بقيمته لأنه إحساس ليس مستمداً من ذاته بل من هذا البطل الكاذب الذي صنعه هو بخواء ذاته.

وحدهم هؤلاء العمال لا يحتاجون إلى مثل هذا البطل لأن معركتهم الحقيقية هي في تحدي الحياة ذاتها. كل يوم يمر بهم يخوضونه بمنطق البطولة. لا وقت لديهم لمن يحدثهم عن مضار الخبز بينما الخبز هو الذي يسير جانباً كبيراً في تاريخ الإنسان، بل هو الذي صنع أكبر أحداث التحرر في التاريخ عندما كان الإنسان يختزل كل متطلبات الحياة في كلمة واحدة هى الخبز.
هذا المشهد الذي لا يكاد يغادرني كل صباح رسخ في ذهني نظرية عظيمة أيضاً وهي نسبية الأشياء. 
بل نسبية الحياة كلها .. نسبية السعادة والشقاء.

أواصل سيري، وأردد في نفسي: كلما سمح أشخاص لأنفسهم أن يكذبوا باسم العلم بشأن غذاء الناس تذكرت تلك الواقعة التي ربما كانت أسطورية لكنها تحمل رمزية هامة. تذكرت ماري انطوانيت وهي تسأل زوجها لويس السادس عشر بسذاجة لم تحدث في التاريخ لماذا الشعب يثور؟
فيجيب: لأنهم لا يجدون الخبز.
فتسأل: ولماذا لا يأكلون الجاتوه ..؟!
وهكذا يعيد التاريخ نفسه ولكن بصورة أكثر ظلماً .. وأعمق سخرية!

تم نسخ الرابط