لعنة السياسة تطارد المونديال.. كيف أطاحت الإجراءات الأمريكية بمشاركين في كأس العالم 2026؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى بطولة كأس العالم 2026 باعتبارها النسخة الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى، فرضت التطورات السياسية والإجراءات الأمنية الأمريكية نفسها بقوة على المشهد، لتصبح حديث وسائل الإعلام العالمية قبل انطلاق المنافسات.
فبينما تستعد المنتخبات والجماهير لخوض تجربة استثنائية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، ظهرت سلسلة من الأزمات المرتبطة بإجراءات الدخول إلى الأراضي الأمريكية، أسفرت عن استبعاد عدد من الشخصيات المرتبطة بالبطولة، وأثارت تساؤلات واسعة حول تأثير القرارات السياسية والأمنية على الحدث الرياضي الأكبر في العالم.
وخلال الأيام الأخيرة، تحولت بعض المطارات الأمريكية إلى ساحات لأزمات مفاجئة طالت حكامًا وإعلاميين وأفرادًا ضمن بعثات رسمية، بعدما اصطدمت طموحاتهم بالمشاركة في الحدث العالمي بإجراءات أمنية صارمة أنهت أحلام بعضهم قبل أن تبدأ البطولة فعليًا.
الحكم الصومالي يدفع الثمن الأكبر
كانت القضية الأكثر إثارة للجدل هي تلك المتعلقة بالحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي كان يستعد لتسجيل اسمه في تاريخ كرة القدم الصومالية من أوسع أبوابه.
أرتان كان على أعتاب تحقيق إنجاز تاريخي يتمثل في أن يصبح أول حكم صومالي يشارك في إدارة مباريات كأس العالم، بعدما نجح خلال السنوات الماضية في إثبات جدارته داخل القارة الأفريقية ولفت أنظار لجنة الحكام التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم.
لكن الحلم توقف فجأة عند بوابة مطار ميامي الدولي، بعدما قررت السلطات الأمريكية منعه من دخول البلاد رغم امتلاكه تأشيرة دخول سارية المفعول وجواز سفر دبلوماسي.
وبحسب ما تم تداوله في تقارير إعلامية، خضع الحكم الصومالي لإجراءات تدقيق أمني مكثفة انتهت بإلغاء تأشيرته وإعادته على الرحلة نفسها التي وصل بها إلى الولايات المتحدة.
القرار شكل صدمة كبيرة داخل الأوساط الرياضية الأفريقية، خاصة أن أرتان يعد من أبرز الحكام الصاعدين في القارة السمراء، كما أنه حصل على إشادات واسعة خلال السنوات الأخيرة نظير مستواه التحكيمي المتميز.
وكانت مشاركته في كأس العالم تمثل لحظة تاريخية للرياضة الصومالية، إلا أن الإجراءات الأمنية الأمريكية أنهت هذه الفرصة بشكل مفاجئ، ليغيب رسميًا عن الحدث العالمي.
مصور المنتخب العراقي يلحق بقائمة المستبعدين
ولم يكن الحكم الصومالي وحده الذي واجه هذا المصير، إذ تعرض المصور الرسمي لبعثة المنتخب العراقي طلال صلاح لموقف مشابه.
فور وصوله إلى مطار شيكاغو الدولي، خضع المصور العراقي لسلسلة طويلة من التحقيقات والإجراءات الأمنية التي استمرت لساعات عديدة.
وشملت التحقيقات مراجعة الأجهزة الإلكترونية التي كانت بحوزته، بالإضافة إلى فحص معداته الصحفية والتأكد من طبيعة مهمته داخل الولايات المتحدة.
وبعد أكثر من عشر ساعات من الانتظار والاستجواب، صدر القرار النهائي بمنعه من دخول البلاد وترحيله مباشرة.
وأثار القرار حالة من الاستياء داخل الأوساط الإعلامية العراقية، خاصة أن المصور كان ضمن الوفد الرسمي المرافق للمنتخب، ويحمل كافة التصاريح المطلوبة لأداء عمله الإعلامي خلال البطولة.
كما اعتبر كثيرون أن الواقعة تعكس حجم التعقيدات التي قد تواجهها بعض الوفود المشاركة في البطولة رغم استكمالها الإجراءات الرسمية المطلوبة مسبقًا.
المنتخب الإيراني يواجه صعوبات إدارية
وفي سياق متصل، واجهت بعثة المنتخب الإيراني العديد من التحديات المتعلقة بإجراءات السفر والدخول إلى الولايات المتحدة.
وبحسب تقارير إعلامية، تأخرت الموافقات الخاصة بعدد من الإداريين والإعلاميين المرافقين للمنتخب حتى اللحظات الأخيرة قبل انطلاق البطولة.
هذا التأخير خلق حالة من القلق داخل البعثة الإيرانية، خاصة مع اقتراب موعد المباريات الرسمية وضرورة اكتمال الطواقم الإدارية والإعلامية المصاحبة للفريق.
ورغم نجاح أغلب أفراد البعثة في إنهاء الإجراءات المطلوبة في النهاية، فإن الأزمة سلطت الضوء على حجم التحديات التي قد تواجهها بعض الدول في ظل التعقيدات السياسية القائمة بين الولايات المتحدة وعدد من الدول المشاركة.
إمبولو ينجو في اللحظات الأخيرة
ومن بين الأسماء التي كادت تتعرض للمصير نفسه، برز اسم مهاجم منتخب سويسرا بريل إمبولو.
اللاعب السويسري واجه مشكلة مفاجئة تتعلق بوثائق السفر الخاصة به وتصريح الدخول الإلكتروني المطلوب للولايات المتحدة.
وأثارت الأزمة مخاوف داخل المنتخب السويسري من احتمالية غياب أحد أبرز نجومه عن البطولة.
لكن بعد سلسلة من الاتصالات والإجراءات العاجلة، تم حل المشكلة في الوقت المناسب، ليتمكن إمبولو من الالتحاق بمعسكر منتخب بلاده والمشاركة في الاستعدادات الأخيرة قبل انطلاق المنافسات.
وأظهرت هذه الواقعة أن الإجراءات الأمنية الأمريكية لا تستثني حتى اللاعبين الدوليين المعروفين، وأن أي خطأ إداري أو تأخير بسيط قد يتحول إلى أزمة حقيقية.
فيفا بين احترام السيادة وحماية البطولة
في خضم هذه التطورات، وجد الاتحاد الدولي لكرة القدم نفسه أمام موقف حساس.
فمن جهة، يسعى "فيفا" إلى ضمان مشاركة جميع الأطراف المعنية بالبطولة دون عراقيل، ومن جهة أخرى لا يملك صلاحيات للتدخل في القرارات السيادية الخاصة بالدول المستضيفة.
ولهذا أصدر الاتحاد الدولي بيانًا رسميًا أكد فيه احترامه الكامل للقوانين والإجراءات المعمول بها داخل الدول المضيفة.
وأوضح "فيفا" أن قرارات الدخول والهجرة تبقى من اختصاص السلطات المحلية، ولا يمكن للاتحاد الدولي فرض دخول أي شخص يتم رفضه لأسباب أمنية أو قانونية.
وفي الوقت ذاته، أبدى الاتحاد الدولي أسفه لعدم مشاركة الحكم الصومالي عمر أرتان في البطولة، مشيدًا بمسيرته التحكيمية ومستواه الفني.
كما أعلن رسميًا تعديل قائمة الحكام المشاركين في كأس العالم بعد استبعاد الحكم الصومالي، لتضم القائمة النهائية 52 حكمًا فقط.
كأس عالم تحت رقابة أمنية غير مسبوقة
ويرى مراقبون أن ما يحدث يعكس حجم الإجراءات الأمنية غير المسبوقة المصاحبة لتنظيم كأس العالم 2026.
فالولايات المتحدة تتعامل مع الحدث بوصفه واحدًا من أكبر التجمعات البشرية والرياضية في العالم، وهو ما يدفعها إلى تطبيق مستويات عالية من التدقيق الأمني على جميع الوافدين.
وتشمل هذه الإجراءات اللاعبين والحكام والإعلاميين والإداريين والجماهير، دون استثناء.
ورغم أن الهدف المعلن لهذه الإجراءات هو ضمان الأمن والسلامة، فإن بعض الوقائع الأخيرة أثارت تساؤلات حول مدى تأثير هذه السياسات على الطابع الرياضي للبطولة.
عندما تتقاطع السياسة مع الرياضة
لطالما رفعت الرياضة شعار الابتعاد عن السياسة، لكن الواقع أثبت مرارًا أن الفصل بينهما ليس دائمًا ممكنًا.
فبطولات كأس العالم عبر التاريخ شهدت العديد من المواقف التي تأثرت بالخلافات السياسية والقرارات الحكومية، سواء عبر المقاطعات أو العقوبات أو القيود المفروضة على السفر.
ويبدو أن نسخة 2026 ليست استثناءً من هذه القاعدة، بعدما تحولت بعض القرارات الأمنية إلى عائق أمام مشاركة أشخاص كان من المفترض أن يكونوا جزءًا من الحدث العالمي.
ومع اقتراب صافرة البداية، تبقى الأنظار موجهة نحو كيفية إدارة هذه التحديات خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع توافد آلاف المشاركين وملايين المشجعين من مختلف أنحاء العالم.
وفي النهاية، تؤكد الوقائع الأخيرة أن كأس العالم لا يبقى مجرد بطولة لكرة القدم فحسب، بل يتحول أحيانًا إلى ساحة تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة والأمن والدبلوماسية، لتصنع قصصًا موازية لا تقل إثارة عن أحداث المباريات داخل المستطيل الأخضر.