ads
عاجل
الأحد 14 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، مفروضًا رسوم عبور تُدفع بالبيتكوين والعملات المستقرة، في سابقة لم يشهدها القانون الدولي البحري من قبل. 

هذا الإجراء لا يُشكّل خرقًا بحريًا عاديًا، بل هو هجوم ممنهج على ثلاثة أنظمة قانونية دولية في آنٍ واحد: قانون البحار، وقانون العقوبات الاقتصادية الدولية، وقانون التجارة الدولية. 
وفيما يلي تحليل قانوني معمّق لهذه الانتهاكات.

إقرأ أيضا.. تسريبات اتفاق مرتقب بين طهران وواشنطن.. مضيق هرمز والملف النووي والعقوبات في صدارة المذكرة

أولًا: الإطار القانوني لمضيق هرمز — حق العبور العابر

يستوفي مضيق هرمز معايير المادة37  من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) الخاصة بنظام المرور العابر، إذ يربط المناطق الاقتصادية الخالصة لسبع دول خليجية بمياه المحيط الهندي. 

وبموجب المادة 38 من UNCLOS، يُحظر تعطيل حق المرور العابر في المضائق الدولية لأي سبب كان، بما في ذلك المناورات العسكرية، وفقًا للمادة44. 

والحجة الإيرانية المضادة تقوم على أنها لم تُصادق على الاتفاقية، غير أن هذه الحجة تصطدم بعقبتين قانونيتين جوهريتين:

أولًا: يؤكد كبار فقهاء القانون الدولي، ومنهم أستاذ القانون الدولي في معهد Chatham House، أن حق المرور العابر بات قاعدة عرفية دولية راسخة تُلزم جميع الدول بصرف النظر عن مصادقتها على UNCLOS. 

ثانيًا: حتى في فرضية قبول الحجة الإيرانية بعدم الالتزام بـ UNCLOS، فإن مبدأ حرية الملاحة كمبدأ عرفي راسخ يحظر إغلاق مضيق دولي كهرمز كليًا، مما يجعل الإغلاق الإيراني انتهاكًا صريحًا لأعراف القانون الدولي بكل الأحوال. 

ثالثًا: يُقرّر الدليل السان ريمو للنزاعات المسلحة البحرية صراحةً أن حقوق المرور العابر تظل سارية حتى في أوقات النزاع المسلح، ولا يحق للدول الساحلية تعليقها.

إقرأ أيضا.. نتنياهو على صفيح ساخن: تداعيات المواجهة مع إيران وتساؤلات حول مستقبله السياسي

ثانيًا: فرض الرسوم بالعملات الرقمية — انتهاك منظومة العقوبات الدولية

 -1الجانب الأشد خطورة قانونيًا ليس الإغلاق المادي للمضيق، بل توظيف العملات الرقمية أداةً لتحييد العقوبات الدولية، وذلك على النحو الآتي:

بنت إيران بنية تحتية مالية موازية كاملة — رسوم عبور وتأمين بحري — مرتكزة على العملات الرقمية التي تعمل خارج نطاق نظام SWIFT والمصارف المراسلة. ويُعدّ هذا من أبرز حالات توظيف الكريبتو من قانب دولة بشكل فعلي للتحايل على العقوبات. 

والأخطر أن الجانب الإيراني يمنح السفن ثوانٍ معدودة للدفع بالبيتكوين فور تقييم طلب العبور، بما يجعل عمليات الدفع شبه مستحيلة الرصد والتجميد من قِبَل الجهات الرقابية الدولية. 

هذا الإجراء ينتهك ثلاثة أطر قانونية دولية

قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعقوبات على إيران، التي تحظر أي آليات لالتفاف إيران على القيود المالية المفروضة عليها.

 -2 إطار مجموعة العمل المالي (FATF)، الذي يُلزم الدول بضمان عدم توظيف الأصول الرقمية في التحايل على العقوبات أو غسيل الأموال.

 -3مبدأ النظام العام الاقتصادي الدولي، إذ إن فرض رسوم إجبارية على حركة التجارة الدولية بعملة خارج أي نظام رقابي يُقوّض استقرار المنظومة الاقتصادية الدولية ذاتها.

ثالثًا: الأثر على الدول الثالثة والتحكيم الدولي

تجد الشركات الشاحنة والناقلات البحرية نفسها أمام معضلة قانونية حادة: إما الدفع بالبيتكوين مع خطر انتهاك قوانين العقوبات في دول مقرّها، وإما رفض العبور مع ما يترتب على ذلك من خسائر تجارية ضخمة. هذا الوضع يفتح الباب أمام موجة من النزاعات في مراكز التحكيم الدولية، لا سيما مراكز DIFC-LCIA وDIAC في دبي، وSCCA في الرياض، إذ ستطرح تساؤلات جوهرية حول:

هل الإذعان للدفع يُعدّ تعاملًا تجاريًا مع كيانات مُدرجة على قوائم العقوبات؟

هل تندرج الخسائر الناجمة عن الإغلاق ضمن بنود القوة القاهرة في عقود الشحن؟

من يتحمل مسؤولية التأخير: الناقل، أم المُصدِّر، أم شركة التأمين؟

حين تصبح الجغرافيا سلاحًا ماليًا

ما يفعله الحرس الثوري الإيراني في مضيق هرمز هو اختراق مزدوج لم يسبق له نظير: استخدام موقع جغرافي استراتيجي لابتزاز منظومة التجارة الدولية، مع توظيف تقنية بلوكتشين لإبطال فاعلية العقوبات الدولية. 
وهذا يستدعي من مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية ومنظمة البحرية الدولية (IMO) اتخاذ موقف قانوني حازم وواضح، لا لحماية مصالح دول بعينها، بل لصون المنظومة القانونية الدولية ذاتها من السقوط في دوامة الانتهاك المُمنهج.

تم نسخ الرابط