تمر الأعوام، وتتعاقب الليالي والأيام، وتغيب الأجساد في الثرى، غير أن رجالًا يكتب الله لهم من البقاء ما لا تكتبه السنون، ويمنحهم من الحياة بعد الموت ما لا تمنحه الأعمار... ومن أولئك الأفذاذ إمام الدعوة في العصر الحديث، فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي تحل في السابع عشر من يونيو من كل عام ذكرى رحيله عن الدنيا، وما رحل في الحقيقة إلا بجسده، أما علمه فحي، وأما أثره فباقٍ، وأما محبته في قلوب الناس فما زالت تنمو كما تنمو الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.
لقد كان الشيخ الشعراوي ظاهرةً علمية ودعوية فريدة، لا يكاد التاريخ الحديث يعرف لها نظيرًا في سعة الانتشار، وعظيم القبول، واجتماع الخاصة والعامة عليها؛ فقد اجتمع له من خصال العلماء رسوخ القدم في علوم العربية والشريعة، ومن صفات الدعاة حسن البيان، وسلاسة العبارة، ولطف الإشارة، ومن مواهب المصلحين نفاذ البصيرة، وفقه الواقع، وحسن مخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم.
وإذا كان لكل عصر إمام في فن من الفنون، فإن الشيخ الشعراوي كان إمام الدعوة بلا منازع، أحياها بعد أن ظن كثير من الناس أن لغة الدين لا تصلح لمخاطبة العصر، فإذا به يثبت أن القرآن الكريم هو كتاب الحياة في كل زمان، وأن البيان العربي قادر على أن يجمع بين عمق العلماء وبساطة العامة، وأن الحق إذا خرج من قلب مخلص بلغ القلوب بغير استئذان.
وكان أعظم ما تركه للأمة تلك الخواطر القرآنية التي فاض بها قلبه ولسانه، والتي لم تكن تفسيرًا تقليديًّا جامدًا، ولا استطرادات وعظية مجردة، وإنما كانت فتحًا من الفهم، وإشراقًا من التدبر، وربطًا بديعًا بين هدايات القرآن وواقع الإنسان؛ فجلس الملايين أمام شاشات التلفاز ينتظرون مجلسه، لا لأنهم يستمعون إلى خطيب بارع فحسب، بل لأنهم يرون رجلًا عاش مع القرآن حتى صار حديثه عنه حديث المحب عن محبوبه.
لقد كان للشعراوي منهج خاص في الدعوة، فلم يكن يقف عند حدود الأحكام، بل يغوص إلى أسرارها، ولم يكن يكتفي بإقامة البرهان العقلي، بل يضم إليه اللمسة الإيمانية التي تحرك القلب، حتى غدت عباراته أمثالًا سائرة، وحكمًا دارجة، يرددها الناس في مجالسهم كما يرددون الشعر المأثور.
ولم يكن الشيخ عالم محراب فحسب، بل كان صاحب موقف، يقرأ الأحداث بعين المؤمن، ويستبشر بنصر الله لعباده، وقد اشتهر عنه أنه رأى رؤيا في أيام الشدة قبيل حرب أكتوبر، رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس، وخلفه الجنود المصريون يعبرون، فقص رؤياه على الرئيس محمد أنور السادات، فكانت باعثًا من بواعث التفاؤل والثقة بنصر الله عند من تناقلها، وبقيت هذه الرواية شاهدًا على ما كان يملأ قلب الشيخ من يقين بوعد الله، وحسن ظنه بربه.
ولقد كانت شخصية الشعراوي أوسع من أن تختصر في واعظ أو مفسر؛ فقد كان مدرسة في الإخلاص، ومثالًا في الزهد، وعنوانًا للتواضع، يرى أن العلم فضل من الله، وأن الفضل لا يورث الكبر، بل يزيد صاحبه خشيةً وانكسارًا، وما عرف الناس عنه طلب جاه ولا حرصًا على سلطان، وإنما عرفوا رجلًا حمل رسالة، وآمن بها، وأنفق عمره في تبليغها.
ومن أسرار محبة الناس له أنه لم يتحدث إليهم من برج العلماء، وإنما جلس بينهم أبًا ومربيًا وناصحًا، يخاطب الفلاح بلغته، والأستاذ بحجته، والمثقف بمنطقه، والعامي بمثاله، فكان لكل واحد منهم نصيب من حديثه، حتى اجتمع الناس عليه على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم.
واليوم، بعد مرور السنوات على رحيله، لا تزال كلماته تتردد، ولا تزال خواطره تذاع، ولا تزال كتبه تطبع، ولا يزال اسمه يذكر مقرونًا بمحبة الناس ودعائهم، وذلك لعمري هو العمر الحقيقي للعلماء، فإنهم وإن ماتوا بأبدانهم، فإن علومهم وأعمالهم وأثرهم يبقى حيًّا بين الناس.
رحم الله إمام الدعوة، فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فقد كان لسانًا ناطقًا بكتاب الله، وقلبًا عامرًا بالإيمان، وعقلًا مستنيرًا بنور العلم، وجسرًا عبرت عليه أجيال كاملة إلى محبة القرآن وفهمه.
فسلام على الشيخ الشعراوي يوم ولد، ويوم عاش داعيةً إلى الله، ويوم رحل عن الدنيا، ويوم يبعث حيًّا، وسلام على كل عالم صدق الله فصدقه الله، وجعل له في الأرض لسان صدق، وفي السماء حسن الجزاء.

