لا أعلم كيف راودتني هذه الفكرة منذ طفولتي المبكرة، واختمرت في نفسي حتى باتت حلماً يؤرقني عدم تحققه،
فكرة أن أرى العالم ..!
قرأت عن باريس كثيراً، هذا الحلم الذي داعب خيال رواد عصر النهضة المصري.
قاسم أمين.. مصطفى كامل .. سعد زغلول .. محمد عبده ..ومن قبلهم رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وغيرهم ..
قرأت عن مقاهيها ..
هنا كان يجلس سارتر .. هنا كانت تجلس سيمون دي بوفوار ..
هنا تسللت خفية فكر الفصل بين السلطات إلى ذهن مونتيسيكو.
هنا على تلك المقاهي ولدت أفكار الثورة الفرنسية وربما أيضاً صيغ أول إعلان لها.
هنا كان يستقل توفيق الحكيم القطار من محطة ميتروبولتان بقلب الحي اللاتيني.
وهنا كتب عصور من الشرق.
قرأت عن متحف اللوفر.
تلك الأعجوبة التي تركتها لنا الحضارة نموج في أسرارها فلا نكاد نضع أيدينا على إحدى أسرارها حتى تتلاشى وكأنها سراب ثم تهمس بآذننا: متى كان بمقدور الإنسان أن يمسك بسر الحضارة؟!
قرأت عن مقاهي باريس ومازال صدى توفيق الحكيم في عصفور من الشرق يصفها: " بين المقهي والمقهى، مقهى أخرى"
وتحقق الحلم ورأيت العالم.
رأيت باريس وكثير من المدن.
رأيت حضارة الإغريق وحضارة الرومان وحضارة الغرب وغيرها.
أخذت قهوتي في الشانزليزية وعلى ناصية ميدان الجمهورية قلب الثورة .. أخذت القهوة بمقهى اللوفر .. رأيت ارستقراطية تقديمها.
ومثلما رأيت باريس، رأيت أوبرا فيينا .. أوبرا روما ..
قضيت ساعات وساعات بالمتحف القومي في قلب لندن دون أن أروي ظمئي من سحر دافنشي ومايكل أنجلو ورافييل وغيرهم.
تسألني ما هذا؟
وما علاقته بالعنوان الذي اخترته والصورة التي زينت بها كلماتك.
أهي سيرة ذاتية؟!
أقول لك:
لا .. بل هذا حديث عن إنسان عادي.
رأيت العالم لكنني أعود إلى كينونتي.
كينونية إنسان أدرك الجمال في نفسه بهذا المعنى الإغريقي الفريد.
كينونة الإشباع الذي يُثري الروح ومن تخطته تلك الأشياء فهو حتماً فقير حتى ولو امتلك كل ماديات هذا العالم.
أعود إلى مقعد خشبي بمقهى عتيق وطاولة تتحامل فتواجه قسوة الأيام ومحو الذاكرة المخيف. طاولة بالكاد تتسع لفنجان قهوة وكوب ماء.
وجه طيب يقدم لك كوب شاى على حافة نهر أو فوق رصيف بحر أو على ناصية حارة يعود تاريخها إلى عصر مملوكي أو فاطمي.
وجه فتاة تحيرك ملامحه أكثر مما حيرتك عيني موناليزا، من وراء ساترها الزجاجي.
أنا إنسان عادي مثل هؤلاء الذين أدركوا قيمة الإنسان.
إنسان عادي مسه طيف من جمال فبقىَّ بداخله يخوض معه غمار الحياة.
يظلل عينه من بريق زائف مبهر طاغ مثل بريق المدنية الكاذب.
أعود إلى حافة مجرى ماء يهب الحياة لمساحة خضراء قامت عليها أعظم حضارة. يبتسم في حزن فيبقى أثره في القلب.
إنه الحزن الذي يبقينا على قيد الحياة.
أعود إلى ثغر يشرق مثل الشمس مع كلمة رقيقة تنساب إليه.
وجهة يتهدج من إيماءة عرفان تبث فيه وهج الحياة.
صوت ينطلق كموسيقى موزارت أو نغم ألقاه لنا سيد درويش ثم انصرف مبكراً وهو على يقين أن النغم سيبقى.
إنسان عادى اختزل كل مشاعر الدنيا في كلمة ورحيق لا ينضب وملامح تقول كل شيء لكنها صامتة
#باريس #رؤية_العالم #الحضارة #اللوفر #توفيق_الحكيم #عصفور_من_الشرق #الجمال #الإنسان #تأملات #السفر_واكتشاف_الذات

