ads
عاجل
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

هناك حقيقة هامة في مجال سلوك البشر توصل إليها علماء النفس وهي أشبه بالمعادلة وتحمل الكثير من المنطق أيضاً.

تقول هذه الحقيقة إن صاحب العاطفة القوية لا يلجأ الى المبالغات والكلام المنمق المعد سلفاً، كما أنه لا يتخذ من الطقوس التي تخلو من البساطة وسيلة للتعبير عن عاطفته.

بقليل من الملاحظة تجاه سلوك البشر يتضح لنا صدق هذه المعادلة تماماً.

صاحب العاطفة القوية لا يحتاج إلا إعداد مسبق للتعبير عن عاطفته ولا يحتاج إلى ثرثرة الكلمات وافتعال المشاعر. إنه يعتمد على الصدق الداخلي في المقام الأول. 

كما أنه يعتمد على ذات الصدق الداخلي للطرف الآخر الذي يوجه له كلماته القليلة في حروفها، العظيمة في صدقها.

هي علاقة روحية تبادلية لا تحتاج إلى رسم خطة أو إعداد سيناريو محكم.

صاحب العاطفة الصادقة هو الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.. متى يقترب ومتى يبتعد.. متى تنهمر الكلمات على لسانه كسيل عذب المذاق ومتى تتحجر الكلمة في حلقه ترفض أن ترى النور وفي كلا الحالتين، سواء انهمرت الكلمات أو تحجرت يكون ذلك من أجل من أحب.

إنه قوي العاطفة. يحب بالضمير قبل أن يحب بالعقل.

يصمت دون أن ينطق كلمة إلى أقرب الناس إليه. يبتعد دون أن يقترب خطوة من أحب الناس إليه.

إنه الصادق الذي يحترم من يحب.

هو يعلم جيداً أن هناك طيفاً روحياً ببنه وبين من يحب. يأبى أن يمزق هذا الطيف بخطوة يخطيها، أو حتى يجرحه بكلمة تخدشه.

ومن أجل أنه يحب، فيترك من أحبه بسلام. ربما راقبه عن بعد. لكن أبداً لا يقترب. يتشبث بكل ما يحول بينه وبينه. لأنه قوي العاطفة. لا يكذب ولا يتحايل. لقد علم منذ زمن بعيد كيف تكون عظمة ضبط النفس. هدوء النفس ووعيها ونضجها. كل هذه لا تأتي من زخارف الكلمات ولا تاتي من زيف المشاعر. بل مصدرها الوحيد هو ضبط النفس. وكما قيل بحق فإن أرقى مقياس للعاطفة هو ضبط النفس.

الحياة لا تعطي كل شيء. هذه هي معادلة الحياة التي ربما تقترب من الإطلاق.

نحن نُختبر كثيراً في مشاعرنا، وربما كان أقسى هذه الاختبارات أن نبتعد عن من نحب. نبتعد فقط لكن الحب يظل موقوداً بالقلب. يمتزج مع نبضاته لا نكاد نفرق بينهما. يزداد الاشتياق كل يوم. يزداد الافتقاد نحو كلمة. فقط كلمة من عدة حروف. أو رؤية طيف خاطفة تستغرق بضع ثوانٍ. أو شهيق يخترق كياننا.

نفتقد كل ذلك لكننا نقول: لا.

نحن أصحاب العاطفة القوية وما وقر في داخلنا يستوعب كل شيء. سنقف عند أماكننا .. تتسمر أقدامنا دون أن تبرحها، لكن الطيف الروحي يظل بيننا لأنه أقوى حتى من الحبل السري.

الأخير يقدمنا إلى الحياة وأما الطيف الروحي فيمنحنا الخلود.

تم نسخ الرابط