اليوم، نتناول ملفًا شديد الحساسية … ملف درسناه في المدارس كحدث سياسى أما الان ندرسه… ولكن ليس كحدث سياسي أو عسكري، بل كأداة اقتصادية… كصناعة… وكآلة ضخمة لجمع الأموال.
إنها الحرب العالمية الأولى.. الحياد الذي لم يكن حياداً
هل كانت أمريكا بريئة من الحرب العالمية الأولى؟ هل دخلت الحرب دفاعاً عن الحرية… أم دفاعاً عن البنوك؟ هل كان الرئيس ويلسون رجل سلام… أم رجل مصالح؟
الحرب العالمية الأولى… واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية.
حرب اشتعلت في أوروبا سنة 1914… لكنها لم تبقَ أوروبية.
اليوم… سنفتح أرشيفاً خطيراً… سنقرأ ما وراء الخطابات، وما خلف شعارات “السلام”، وسنحاول أن نفهم:
كيف تحوّل الحياد الأمريكي إلى دخول مباشر في الحرب؟
عام 1914… اندلعت الحرب في أوروبا... بين بريطانيا في مواجهة ألمانيا… وتحالفات تتسع يوماً بعد يوم.
في تلك اللحظة… كان الشعب الأمريكي بعيداً تماماً عن الصراع.
لم يكن للأمريكيين عداوة مباشرة مع ألمانيا، ولا مصلحة ظاهرة تجعلهم يخوضون حرباً في قارة أخرى.
ولهذا… أعلن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون التزامه الحياد.
وقالها بوضوح: الولايات المتحدة… لن تتدخل.
لكن السؤال هنا…هل كان هذا الحياد قراراً وطنياً؟ أم مجرد خطة سياسية حتى يفوز ويلسون بولاية ثانية؟
الحقيقة أن ويلسون كان يخشى تأثير الحرب على إعادة انتخابه… وفعلاً، فاز في انتخابات 1916 بفارق ضئيل… وكان أحد أسباب نجاحه… أنه قدّم نفسه كرئيس “يرفض الحرب”.
رغم إعلان الحياد… كانت أمريكا تتحرك في الخفاء.
البنوك الأمريكية بدأت في تقديم قروض ضخمة لدول الوفاق… بريطانيا وفرنسا تحديداً.
وكانت هذه الأموال تُستخدم لشراء: الذخائر… المواد الخام… الغذاء… وكل ما تحتاجه الحرب.
وفي الوقت الذي كان فيه ويلسون يعلن السلام… كانت الصناعة الأمريكية تعمل بأقصى طاقتها لخدمة المعركة.
بل أكثر من ذلك… أصدر ويلسون تعليماته بوضع برنامج ضخم لبناء سفن جديدة للبحرية الأمريكية.
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر خطورة… إذا كانت أمريكا محايدة… لماذا تبني أسطولاً ضخماً؟
ولماذا تموّل طرفاً واحداً فقط؟
لأن الحرب… كانت مشروع أرباح.
الحرب تعني قروضاً… والقروض تعني فوائد… والفوائد تعني أن المصرفيين الدوليين يربحون أكثر من أي وقت.
والمعروف تاريخياً أن الحرب هي أكثر مشروع مربح للمصارف.
في تلك المرحلة، ظهر لاعب خطير في المشهد… إنه المصرفي الأشهر في أمريكا:جي بي مورجان.
عام 1913، تولّى جي بي مورجان الابن إدارة “بيت مورجان” بعد وفاة والده.
بيت مورجان لم يكن بنكاً عادياً… بل شبكة مالية ضخمة تمتد بين نيويورك ولندن وباريس.
ومنذ الأيام الأولى للحرب… عرض مورجان تمويل بريطانيا وفرنسا.
وبالفعل… تم تصنيف بنك مورجان في نيويورك كـ الوكيل المالي الرئيسي للحكومة البريطانية عام 1914.
وبعد ذلك… لعب دوراً مشابهاً مع فرنسا.
كان مورجان يجمع الأموال من المستثمرين الأمريكيين،... ويحوّلها كقروض ضخمة للحكومة الفرنسية.
ثم جاءت القروض الأهم… في مارس وأكتوبر 1915… أصدر مورجان قروضين هماً الاضخم… كان أحدها بقيمة 500 مليون دولار... رقم ضخم بمقاييس ذلك الزمن… رقم يمكنه أن يشتري حرباً كاملة.
وهنا يجب أن نسأل… هل كان مورجان يمول “السلام”؟ .. أم يمول استمرار الحرب حتى آخر جندي؟
وفي الوقت نفسه… كانت شركات الذخائر والسلاح تتضخم أرباحها.
مثل: بيت لحم ستيل لصناعة الدروع، .. دوبونت لصناعة البارود
وهكذا… تشكلت معادلة الحرب الأمريكية: البنوك تموّل… المصانع تنتج… والحرب تستمر.
لكن… التمويل وحده لا يكفي.
كان لا بد من خطوة أخطر… كان لا بد من حدث صادم… يُحوّل الرأي العام الأمريكي من “السلام”… إلى “الحرب”.
وهنا يظهر اسم مهم للغاية: انه الكولونيل إدوارد هاوس… أحد أهم مستشاري ويلسون.
هذا الرجل كان يناقش مع وزير خارجية بريطانيا إدوارد غراي سؤالاً واحداً: كيف ندفع أمريكا للدخول في الحرب؟
وفي إطار تلك المناقشات… ظهرت فكرة خطيرة للغاية: افتعال حادث… يجعل ألمانيا تغرق سفينة تحمل أمريكيين.
ثم جاء التمهيد… في فبراير 1915، نجحت المخابرات البريطانية في تمرير معلومات للألمان
أن بريطانيا تستخدم سفنها المدنية والتجارية لنقل السلاح الأمريكي سراً.
ردّت ألمانيا بإعلان المياه المحيطة بالجزر البريطانية “منطقة حرب”.
ثم في أبريل 1915… نشرت السفارة الألمانية في واشنطن تحذيرات في الصحف الأمريكية:
“لا تسافروا إلى أوروبا على متن سفن تحمل العلم البريطاني… لأنها قد تتعرض للتدمير”.
لكن هل استمع أحد؟
وهنا جاءت القصة الأشهر… السفينة لوزيتانيا… Lusitania
في 7 مايو 1915… أبحرت السفينة من نيويورك إلى ليفربول… سفينة ركاب سياحية بريطانية سريعة.
ثم… قامت غواصة ألمانية بإطلاق طوربيد… وغرقت السفينة.
قُتل قرابة 1959 شخصاً… بينهم 123 أمريكياً... كما إدعى الامريكيون
وهنا اشتعلت أمريكا... الرأي العام أصبح معادياً لألمانيا... والصحف الأمريكية بدأت تصرخ: ألمانيا قتلت الأبرياء.
لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد في حينها… لماذا دخلت السفينة منطقة الحرب رغم التحذيرات؟.. ولماذا أبحرت رغم إعلان ألمانيا؟ ولماذا تسرّبت معلومات دقيقة للألمان عنها؟ وهل كانت لوزيتانيا مجرد سفينة ركاب؟.. أم كانت تحمل شيئاً آخر؟
النتيجة كانت واضحة: الحادث صنع موجة غضب… وأصبح الطريق نحو الحرب أقصر من أي وقت.
لكن… رغم ذلك، لم تدخل أمريكا فوراً.
ويلسون اكتفى بتحذير ألمانيا، بأنها ستواجه “مساءلة صارمة” إذا تكرر الأمر.
وبرلين خففت عملياتها مؤقتاً ضد سفن الركاب.
ثم جاء عام 1917… وحدثت القشة التي قصمت ظهر الحياد الأمريكي... في يناير 1917… وصلت إلى الرئيس ويلسون رسالة مشفرة.
إنها برقية زيمرمان… من وزير الخارجية الألماني آرثر زيمرمان... البرقية تقترح تحالفاً بين ألمانيا والمكسيك، في حال دخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء.
والأخطر… أن ألمانيا وعدت المكسيك بدعمها لاستعادة أراضٍ فقدتها سابقاً لصالح أمريكا: تكساس، كاليفورنيا، أريزونا، نيو مكسيكو.
ثم جاء القرار الألماني باستئناف حرب الغواصات بلا قيود.
وفي مارس 1917… سقطت خمس سفن تجارية أمريكية. وبذلك اكتمل السيناريو.
الغضب الشعبي… التهديد العسكري… والبرقية التي كشفت النوايا الألمانية.
ففي 2 أبريل 1917… طلب ويلسون من الكونجرس التصويت لدخول الحرب.
وتم ذلك. دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول الوفاق.
الرواية الرسمية قالت: أن أمريكا دخلت الحرب“دفاعاً عن الديمقراطية والحرية”.
لكن داخل أمريكا… ظهرت أصوات أخرى...البعض قال إن الحرب ليست أخلاقاً… بل اقتصاداً.
التقدميون اليساريون… وعلى رأسهم السناتور روبرت لا فوليت... اتهموا مصرفيي نيويورك بأنهم المحرك الحقيقي للحرب.
قالوا إن هناك قروضاً قيمتها 3 مليارات دولار للحلفاء، ولو خسرت بريطانيا وفرنسا… ستضيع هذه الأموال.
وهنا يصبح السؤال منطقياً جداً: هل دخلت أمريكا لإنقاذ أوروبا؟ أم لإنقاذ البنوك من الإفلاس؟
اعلن وزير الخارجية الأمريكي برايان
استقالته احتجاجاً على دخول أمريكا الحرب لأنه رأى أن ويلسون متعاطف مع بريطانيا بصورة غير مقبولة.
انتهت الحرب عام 1918… لكن آثارها لم تنتهِ حتى اليوم.
الخسائر البشرية كانت كارثية: حوالي 9 ملايين قتيل، وملايين الجرحى والمشوهين.
أما أمريكا… فقد خسرت نحو 323 ألف أمريكي. لكن الخسائر الاقتصادية… لم تكن متساوية.
أوروبا دُمرت.
المصانع دُمّرت… السكك الحديدية تحطمت… المناجم غُمرت بالمياه… مدن كاملة تحولت إلى رماد.
بينما أمريكا… أراضيها لم تُقصف... مدنها لم تُحاصر... اقتصادها لم يُدمّر.
بل بالعكس… الصناعة الأمريكية كانت تعاني من ركود في 1913 و1914،
لكن الحرب أنقذتها. زاد الطلب على السلاح… فارتفع الإنتاج… وتحولت المصانع إلى ماكينة أرباح ضخمة.
شركة بيت لحم ستيل وحدها أنتجت بنهاية الحرب: 70 مليون رطل من الصفائح المدرعة
1.1 مليار رطل فولاذ للقذائف، 20 مليون طلقة مدفعية لبريطانيا وفرنسا
وأصبحت تنتج: 60% من الأسلحة الأمريكية، و40% من قذائف المدفعية المستخدمة في الحرب.
أما على مستوى المصالح المالية… كانت عائدات جون دي روكفلر سنة 1919 حوالي 200 مليون دولار.
وأصبحت أوروبا بعد الحرب مدينة لأمريكا.
بل إن الولايات المتحدة جمعت بعد الحرب 45% من احتياطي الذهب العالمي.
وهنا نقف أمام حقيقة ضخمة: أوروبا خرجت منهكة… وأمريكا خرجت الدائن الأول للعالم.
وهكذا… نكتشف أن دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد قرار أخلاقي… ولا مجرد دفاع عن الديمقراطية، بل كان قراراً له وجه آخر… وجه المال… المصالح… القروض… والسلاح.
حادثة لوزيتانيا… برقية زيمرمان… حرب الغواصات… كلها كانت خطوات في طريق واحد: جرّ أمريكا إلى الحرب.
والنتيجة؟
أوروبا دُمرت… وشعوبها دفعت الدم… بينما أمريكا خرجت من الحرب أقوى من أي وقت.
خرجت صاحبة الذهب… وصاحبة الديون… وصاحبة أكبر مصانع السلاح.
والسؤال الذي يجب أن يبقى في أذهاننا: هل تدخل الدول الحروب من أجل المبادئ… م من أجل الأرباح؟
وفي الحلقة القادمة… نتجول في حقل الالغام: أمريكا والحرب العالمية الثانية (World War II)
