ads
الثلاثاء 14 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

يمر الإنسان في هذه الحياة بمحطات من الفرح والسرور، لكنها - بطبيعتها كدار ممر لا دار مقر - لا تخلو من الأكدار؛ وفواجع الأقدار هي أشد ما يواجه المرء في مسيرته، فقد يفقد حبيبا غاليا، أو يخسر مالا لاقى الأمرين في جمعه، أو يبتلى في جسده بمرض عضال. وفي تلك اللحظات العاصفة، تنقسم القلوب، وتتجه الأبصار نحو حقيقة واحدة، وهي أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا عاصم من فجيعة الفقد إلا برد الرضا وسكينة الصبر. وإن أول ما يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن عند نزول المصيبة، هو إدراكه أن البلاء جزء لا يتجزأ من السنن الإلهية في الكون، وليس دليلا على غضب الله أو هوانه عليه، فالبلاء واقع لا محالة، حيث يقول الله تعالى في محكم التنزيل: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ". 
هذه الآية الكريمة تضع لنا خارطة طريق واضحة، تفيد بأن العاقبة والـبشرى شرعت حصريا لفئة الصابرين، والصبر هنا ليس استسلاما أو عجزا، بل هو انتهاء النفس عن السخط، واللسان عن الشكوى لغير الله، والرضا بالقضاء مع يقين راسخ بأن الخيرة دائما فيما اختاره الله.
وعندما نتأمل النصوص الشرعية التي تحدثت عن أجر الصبر، نجد أمرا عجيبا يملأ النفس أملا؛ فكل العبادات حدد الله لها أجرا ومضاعفة، إلا الصبر، فقد فتح الله له خزائن عطائه بلا عد ولا حساب، مصداقا لقوله سبحانه: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ". وفي السنة النبوية المطهرة، يربط الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين عظم البلاء وعظم الجزاء، فيقول: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ». 
إنها معية الله الشاملة وتكفيره للخطايا، فالمؤمن لا يصيبه هم ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه، بل إن الفواجع الكبرى لها جزاء استثنائي لمن حمد واسترجع؛ حيث يبني الله له بيت الحمد في الجنة.
وقد علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن العبرة الحقيقية في تماسك النفس وإظهار الإيمان تكون في الثواني الأولى للفجيعة، حيث قال: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»، فإن تدمع العين ويحزن القلب فهذه فطرة بشرية، وقد دمعت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موت ولده إبراهيم وقال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا».
لكن المحظور الذي يجب تجنبه هو السخط بالقول أو الفعل، وخرق سياج الرضا بالاعتراض على حكم أحكم الحاكمين. ولكي يستجلب المؤمن هذا الصبر العظيم عند الفواجع، يجدر به الالتزام بالاسترجاع الفوري وترويض اللسان على قول "إنا لله وإنا إليه راجعون" ، مع النظر دائما إلى عاقبة البلاء وتذكر أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، واللجوء المستمر إلى الله بالدعاء والصلاة طلبا للسكينة؛ فاللجوء إليه هو الملاذ الآمن من شتات النفس. 
إن فواجع الأقدار لا تأتي لتهلكنا، بل تأتي لتمحص ما في قلوبنا وتصنع منا نفوسا نقية، تدرك حقيقة الدنيا الزائلة وتتطلع إلى الآخرة الباقية، فلكل مكلوم ومفجوع: أبشر بوعود الله، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن وراء غمام الصبر فرجا قريبا، وأجرا موفورا من رب كريم.
[email protected]

تم نسخ الرابط