ads
الأحد 26 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

ما إن تُسدل الستارة على عام دراسيٍّ حافل، وتبدأ الإجازة الصيفية، حتى يجد كثير من الشباب والطلاب أنفسهم أمام مساحة واسعة من الوقت، وهذه المساحة قد تكون سُلَّمًا يرتقون به إلى معالي الأمور، أو هاوية تهوي بهم إلى الفراغ والضياع، وليس الفرق بين الفريقين إلا في حسن استثمار الوقت، وإدراك قيمة العمر؛ فإن الأيام خزائن الأعمال، وما يودعه الإنسان فيها اليوم يجني ثماره غدًا. 

       والوقت هو الثروة الوحيدة التي إذا أنفقها الإنسان لم يستطع استردادها، وهو رأس ماله الحقيقي في هذه الحياة؛ فمن أحسن استثماره ارتقى علمًا وعملًا وأخلاقًا، ومن بدده في اللهو والغفلة لم يورثه إلا الندم حين لا ينفع الندم.

ولقد جعل الإسلام للوقت منزلةً عظيمة، فأقسم الله تعالى به في مواضع عديدة من كتابه الكريم، وأرشد النبي ﷺ إلى اغتنام العمر قبل فواته، لأن الإنسان مسئول عن أيامه ولياليه، وما قدم فيها من خير أو شر.

ومن هذا المنطلق يتأكد لنا أن الإجازة الصيفية ليست انقطاعًا عن التعلم، وإنما هي انتقال من التعلم الإلزامي إلى التعلم الذاتي، ومن الدراسة المقررة إلى بناء الشخصية وتنمية المواهب واكتساب الخبرات، وأولى ما ينبغي أن تُستثمر فيه هذه الإجازة هو الارتباط بكتاب الله تعالى: حفظًا، وتلاوة، وتدبرًا، ومراجعة، فما عمرت القلوب بشيء أعظم من القرآن، ولا سمت النفوس بمثل صحبته!

ثم تأتي القراءة الجادة؛ فهي غذاء العقل، ونافذة الإنسان إلى الحضارات والمعارف، سواء في العلوم الشرعية، أو اللغة والأدب، أو التاريخ، أو الثقافة العامة، أو سير العظماء؛ فالقارئ اليوم هو القائد غدًا، والأمم إنما تنهض بعقول واعية، لا بعقول أسيرة للشاشات.

كما تمثل الإجازة فرصة ثمينة لاكتساب المهارات التي يتطلبها العصر، كتعلم الحاسب الآلي، والبرمجة، والذكاء الاصطناعي، واللغات الأجنبية، والتصميم، والتسويق الرقمي، وغيرها من المهارات التي توسع آفاق الشباب، وتعزز فرصهم في الدراسة وسوق العمل.

أما الشباب القادرون على العمل، فإن اغتنام الإجازة في وظيفة مناسبة أو حرفة نافعة يعد مدرسة في تحمل المسئولية، وتقدير قيمة العمل، واكتساب الخبرة، والاعتماد على النفس، فضلًا عن الإسهام في تخفيف أعباء الأسرة، أو توفير جزء من نفقات الدراسة.

 وما كان العمل الشريف يومًا منقصة، بل هو عنوان الكرامة، وشعار الطموحين.

ولا يقتصر استثمار الإجازة على الجانب العلمي والمهني، بل يمتد إلى بناء الشخصية بالإقبال على الطاعات، والمحافظة على الصلوات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والمشاركة في الأعمال التطوعية، وحضور الدروس العلمية والبرامج التربوية؛ فالأمة لا تبنى بالعلم وحده، وإنما تبنى بالعلم المقرون بالقيم والأخلاق.

وفي المقابل نجد أنه  من المؤسف أن تتحول الإجازة عند بعض الشباب إلى ساعات طويلة تُهدر بين شاشات الهواتف، والتنقل العبثي في وسائل التواصل الاجتماعي، أو الجلوس في المقاهي، أو السهر فيما لا يعود بعلم، ولا عمل، ولا فائدة، حتى تنقضي الإجازة دون أن يضيف الإنسان إلى نفسه علمًا، أو مهارة، أو خلقًا، فيستقبل عامًا جديدًا كما ودع سابقه، وربما أقل همة وأضعف عزيمة.

إن الإجازة الصيفية ليست فراغًا من المسئولية، وإنما هي مسؤولية من نوع آخر، وهي فرصة قد لا تتكرر في العام إلا مرة واحدة؛ فالسعيد من جعلها موسمًا لبناء ذاته، وإعداد مستقبله، والتقرب إلى ربه، وخدمة مجتمعه، والخاسر من أضاعها فيما لا ينفع، ثم لم يحصد منها إلا الحسرة.

وصدق الإمام الحسن البصري رحمه الله إذ قال: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك" فطوبى لمن جعل إجازته زادًا لعلمه، ورصيدًا لأخلاقه، وسُلَّمًا يرقى به إلى معالي الأمور، فإن الأيام تمضي، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدمه فيها من عمل صالح، أو علم نافع، أو أثر كريم.

تم نسخ الرابط