ads
الأحد 26 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

هناك كلمات لا تُقال لمجرد المجاملة، وإنما تخرج صادقة من القلب، فتحمل في حروفها دفئًا خاصًا، وتكشف عن معدن قائلها وأصالته وتواضعه، مهما تعاقبت السنوات وتبدلت المواقع والمناصب.

ومنذ أن تشرفت بلقاء المستشار الجليل محمود الرشيدي، لم تفارق صورته ذاكرتي: ابتسامة هادئة تسبق كلماته، ووجه بشوش يجمع بين الهيبة والرحمة، وقاضٍ عُرف بقوته في إظهار الحق، وشجاعته في النطق به، حتى ارتبط اسمه في الذاكرة العامة بواحدة من أبرز القضايا في تاريخ القضاء المصري، فعُرف بـ«قاضي محاكمة القرن».. متعه الله بموفور الصحة والعافية.

كانت إدارته للجلسات درسًا في الوقار والاتزان؛ هدوء شديد لا ينفصل عن الحزم، وتواضع جم لا ينتقص من هيبة المنصة، وحكمة تمنح كل صاحب كلمة حقه، وتجعل من قاعة المحكمة محرابًا للإنصاف قبل أن تكون ساحة للفصل في الخصومات.

لم يكن متابعو جلساته يترقبون الأحكام وحدها، بل كانوا يتعلمون من طريقته في الاستماع، ومن صبره في إدارة المرافعات، ومن قدرته على احتواء المواقف الصعبة دون انفعال أو ضجيج؛ سواء خلال محاكمة القرن أو في سائر القضايا التي تولى نظرها.

وللحقيقة، أشعر بسعادة غامرة كلما سمعت صوته أو حظيت بلقائه، خصوصًا بعد أن أتم سيادته سنوات عطائه على منصة العدالة. ففي حديثه دفء الأب، وفي نقاشه ثراء العالم، وفي كلماته خبرة قاضٍ أفنى عمره بين أوراق القضايا، باحثًا عن الحقيقة وحارسًا للعدل.

وحين يخاطبك قائلًا: «ابني الحبيب»، تدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما بلغه من مناصب، بل بما يتركه في قلوب من عرفوه من محبة وأثر طيب.

حفظ الله المستشار الجليل محمود الرشيدي، وأدام عليه الصحة والعافية، وبارك في عمره وعلمه.. فقد يكتمل العطاء الوظيفي، لكن عطاء الكبار لا ينتهي.

تم نسخ الرابط