ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الوساطة المصرية في 2025… كيف أدارت القاهرة أزمات المنطقة؟

خلف الحدث

لم يكن عام 2025 عامًا للسلام بقدر ما كان عامًا للبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.
دخل العالم هذا العام مثقلًا بحروب مفتوحة، وخرج منه باتفاقات هدنة لا ترقى إلى تسويات نهائية، وبمسارات تفاوضية أكثر هشاشة من أن تُوصَف بالحلول. في هذا السياق المضطرب، لم تبرز الدول الأكثر صخبًا، بل تلك القادرة على إدارة التناقضات، والحديث مع الخصوم، ومنع الصراعات من الانزلاق إلى حروب أوسع.

وسط هذا المشهد، برزت مصر بوصفها أحد أهم لاعبي التهدئة في الإقليم، ليس عبر مبادرات كبرى أو شعارات سياسية، بل من خلال ما يمكن توصيفه بدقة بـ«نموذج الوساطة الواقعية»؛ نموذج لا يعد بنهايات سعيدة، لكنه ينجح في منع الأسوأ، ويؤسس لمساحات تواصل في لحظات الانسداد الكامل.

عام 2025 شكّل نقطة تحول في الدور المصري: من وسيط تقليدي في ملفات بعينها، إلى مدير أزمات إقليمي يتحرك بين خطوط النار، ويوازن بين أطراف متصارعة، دون أن ينزلق إلى موقع الطرف، ودون أن يطرح نفسه كقاضٍ أو صاحب حل نهائي.

أولًا: الوساطة الواقعية… تعريف عملي لا نظري

الوساطة الواقعية، كما تجسدت في السياسة الخارجية المصرية خلال 2025، لا تنطلق من تصورات مثالية للسلام، بل من إدراك صارم لطبيعة النظام الدولي الراهن وحدود قدرته على فرض حلول شاملة.

يقوم هذا النموذج على أربع ركائز أساسية:

  • الحياد الوظيفي لا الحياد الأخلاقي: أي الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، دون الانحياز العلني لأي طرف، مع وضوح المواقف المبدئية.
  • أولوية الكلفة الإنسانية: تقديم وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وحماية المدنيين، على أي أجندات سياسية مؤجلة.
  • إدارة الصراع بدل وهم الحسم: التعامل مع النزاعات باعتبارها ممتدة ومعقدة، لا قابلة للحل السريع.
  • الدبلوماسية الهادئة: العمل بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، والرهان على التفاوض المغلق لا البيانات العلنية.

هذا النموذج لا يَعِدُ بسلام شامل، لكنه يمنع الانهيار الكامل، ويخلق مساحات مؤقتة يمكن البناء عليها لاحقًا.

ثانيًا: غزة… الساحة الأكثر تعقيدًا واختبارًا

كانت حرب غزة خلال 2025 الاختبار الأصعب والأوضح لنموذج الوساطة الواقعية المصرية.
فالصراع لم يكن ثنائيًا، بل متعدد المستويات، يضم فصائل فلسطينية، إسرائيل، أطرافًا دولية، ووسطاء إقليميين، مع ضغط شعبي وإعلامي وإنساني غير مسبوق.

الدور المصري تمحور حول:

  • إدارة قنوات اتصال أمنية وسياسية متوازية.
  • صياغة تفاهمات مرحلية لوقف إطلاق النار دون فرض شروط قصوى.
  • التوسط في ملفات تبادل الأسرى والرهائن، وهي من أعقد الملفات سياسيًا وإنسانيًا.
  • تنظيم دخول المساعدات الإنسانية عبر المعابر، ومنع استخدامها كورقة ضغط عسكرية.

ورغم أن اتفاقات التهدئة التي أُبرمت وُصفت بالهشّة، فإن معظم التقديرات الدولية ذهبت إلى أن غياب الدور المصري كان سيعني انهيار أي مسار تفاوضي، وتصعيدًا إقليميًا أوسع.

ثالثًا: السودان… حدود الوساطة حين تنهار الدولة

في السودان، واجهت القاهرة نمطًا مختلفًا من الأزمات.
لم يكن النزاع بين دولتين أو كيانين سياسيين منضبطين، بل حربًا داخلية مفتوحة في دولة تتآكل مؤسساتها.

التحرك المصري ركّز على:

  • دعم المسارات السياسية دون الانخراط العسكري.
  • منع تدويل الصراع بشكل يزيد تعقيده.
  • التنسيق مع دول الجوار لتفادي انتقال الفوضى إقليميًا.
  • الدفع نحو حلول تحفظ وحدة الدولة السودانية، لا إعادة رسمها بالقوة.

لكن محدودية الإرادة الدولية، وتضارب المصالح الإقليمية، جعلا نتائج الوساطة أقل وضوحًا، وهو ما كشف بوضوح حدود الوساطة الواقعية حين يغيب الإجماع الدولي.

رابعًا: البحر الأحمر… التهدئة دون عسكرة

في 2025، تحوّل البحر الأحمر من ممر تجاري حيوي إلى ساحة توتر عسكري ذات أبعاد دولية.
هنا، تبنّت مصر مقاربة مختلفة:

  • تأكيد مبدأ حرية الملاحة الدولية.
  • التحرك الدبلوماسي لاحتواء التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة.
  • التنسيق الأمني والسياسي مع شركاء دوليين دون عسكرة شاملة للمشهد.

هذا السلوك عكس إدراكًا مصريًا بأن الأمن الإقليمي لا يُصان بالقوة وحدها، بل بإدارة دقيقة للتوازنات.

خامسًا: لماذا نجحت القاهرة حيث تعثّر غيرها؟

يرى محللون في السياسة الدولية أن نجاح الوساطة المصرية في 2025 يعود إلى مجموعة عوامل متراكمة:

  • موقع جغرافي يجعل الاستقرار مسألة أمن قومي مباشر.
  • شبكة علاقات ممتدة مع أطراف متعارضة لا تملك قنوات مباشرة فيما بينها.
  • خبرة تاريخية طويلة في إدارة الملفات الفلسطينية والإقليمية.
  • مقاربة براغماتية تبتعد عن الخطاب الأيديولوجي والاستقطابي.

هذا الخليط منح القاهرة مصداقية عملية حتى لدى أطراف تختلف معها سياسيًا.

سادسًا: الآراء المؤيدة… مصر كصمام أمان إقليمي

أنصار هذا النموذج يرون أن:

  • مصر لعبت دور صمام الأمان في أكثر من ساحة.
  • الوساطة الواقعية أنقذت أرواحًا ومنعت توسّع الحروب.
  • العمل الهادئ أثبت فعاليته مقارنة بالمبادرات الإعلامية القصيرة الأجل.

ويرى هؤلاء أن القاهرة أعادت تعريف مفهوم القوة الإقليمية في زمن الفوضى.

سابعًا: الآراء المتحفظة والناقدة

في المقابل، يشير منتقدون إلى أن:

  • إدارة الأزمات لا تعني حلّها.
  • الاتفاقات الهشّة قد تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
  • غياب الضغط السياسي الحقيقي يسمح باستدامة النزاعات.

ويرى هذا التيار أن الوساطة المصرية، رغم نجاحها التكتيكي، تعمل داخل نظام دولي عاجز عن إنتاج سلام عادل.

ثامنًا: قراءة مستقبلية لما بعد 2025

أكد عام 2025 أن الوساطة الواقعية ليست حلًا سحريًا، لكنها الخيار الأكثر واقعية في نظام دولي مأزوم.
ففي ظل تراجع القدرة على فرض التسويات، تصبح الدول القادرة على إدارة التناقضات وحماية الحد الأدنى من الاستقرار هي الأكثر تأثيرًا.

خاتمة

لم تقدّم مصر في 2025 وعودًا كبرى، لكنها منعت انهيارات كبرى.
لم تصنع سلامًا نهائيًا، لكنها أوقفت تمدد الحروب.
وفي عالمٍ يتآكل فيه اليقين، بدا هذا الدور أقل من الأحلام، لكنه أكثر من أن يُهمَل.

ويبقى السؤال مع دخول 2026:
هل تتحول الوساطة الواقعية من إدارة الأزمات إلى بناء مسارات سلام؟
أم ستظل الأداة الأخيرة المتاحة في عالم لم يتعلم بعد كيف ينهي حروبه؟

تم نسخ الرابط