ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

شمال شرق سوريا على حافة إعادة التشكل… مواجهات بين الجيش السوري وقسد غرب الفرات

خلف الحدث

عندما تعود الدولة… ويتصدّع الهامش

لم تكن التطورات العسكرية التي شهدتها مناطق غرب نهر الفرات في شمال شرق سوريا صباح 17 يناير 2026 مجرّد تحرك ميداني محدود، بل مثّلت لحظة مفصلية في مسار صراع طويل ومعقّد، تداخلت فيه السياسة بالسلاح، والرهانات الدولية بالحسابات المحلية.

التحرك السريع للجيش السوري إلى مناطق انسحبت منها «قوات سوريا الديمقراطية» أعاد فتح ملف السيادة المؤجَّل، وطرح من جديد سؤالًا ظل حاضرًا منذ سنوات:
هل انتهى زمن الكيانات العسكرية شبه المستقلة في سوريا، أم أن البلاد مقبلة على جولة جديدة من إعادة توزيع النفوذ؟

ما جرى غرب الفرات لم يكن حدثًا منفصلًا عن سياقه، بل نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية بدأت باتفاق وُصف في حينه بالتاريخي، وانتهت – مؤقتًا – على وقع انتشار عسكري وحسابات دولية دقيقة.

أولًا: الجذور السياسية للصراع

اتفاق مارس 2025… من تسوية واعدة إلى اختبار فاشل

في 10 مارس 2025، وقّعت الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» اتفاقًا بوساطة دولية، هدفه إنهاء حالة الازدواج الإداري والعسكري في شمال شرق البلاد.
نص الاتفاق على دمج المؤسسات المدنية والأمنية التابعة لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتشكيل إطار عسكري وطني جامع، مع سحب أي وجود أو نفوذ عسكري أجنبي من صفوف القوات الكردية قبل نهاية العام ذاته.

الاتفاق مثّل، حينها، نقطة تحوّل في مسار الدولة السورية، إذ فتح الباب نظريًا أمام استعادة السيطرة على مناطق ظلت خارج السلطة المركزية لسنوات. غير أن التطبيق العملي اصطدم بعقبات سياسية جوهرية.

دمشق اتهمت «قسد» بالمماطلة وتأجيل تنفيذ بنود الدمج، فيما رأت الأخيرة أن الاتفاق لم يوفّر ضمانات كافية تتعلق بالحقوق الدستورية والتمثيل السياسي، خصوصًا في ما يتصل بالملف الكردي داخل الدولة السورية.

مع مرور الأشهر، تحوّل الاتفاق من أرضية للحل إلى مصدر توتر، وصولًا إلى الانفجار المحدود الذي شهده مطلع 2026.

ثانيًا: المشهد الميداني في 17 يناير 2026

انسحاب منظم… وانتشار سريع

مع ساعات الصباح الأولى، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» انسحاب وحداتها من مناطق التماس غرب نهر الفرات، شملت بلدات وقرى في ريف حلب الشرقي، أبرزها دير حافر ومحيطها.

القيادة العسكرية لـ«قسد» برّرت الخطوة بأنها جاءت استجابة لضغوط ووساطات دولية، وحرصًا على تجنّب مواجهة واسعة مع الجيش السوري، في ظل تصاعد التوتر خلال الأسابيع السابقة.

بالتزامن، تحركت وحدات من الجيش السوري إلى المناطق التي أُخليت، وبدأت عملية بسط سيطرة شملت مسكنة ودبسي عفنان وعددًا من القرى المحيطة، وسط انتشار أمني منظم ودون اشتباكات مباشرة واسعة النطاق.

الجيش السوري أعلن رسميًا أنه لن يستهدف قوات «قسد» أثناء انسحابها، مؤكدًا أن الهدف هو إعادة فرض سيادة الدولة وتثبيت الأمن، وليس فتح جبهة قتال مفتوحة.

ثالثًا: إعلان منطقة عسكرية مغلقة

رسائل أمنية وسياسية في آن واحد

إعلان الجيش السوري منطقة غرب الفرات «منطقة عسكرية مغلقة» لم يكن إجراءً ميدانيًا فقط، بل حمل دلالات سياسية واضحة:

  • تأكيد أن المرحلة المقبلة ستدار بمنطق الدولة المركزية.
  • توجيه رسالة ردع لأي محاولات لإعادة التموضع العسكري غير المنسّق.
  • منح القوات النظامية هامش حركة كامل لضبط الأمن ومنع الفوضى.

كما دعت السلطات العسكرية المدنيين إلى الابتعاد عن المناطق الحساسة، في محاولة لاحتواء أي تداعيات إنسانية مباشرة.

رابعًا: لماذا حدث التصعيد الآن؟

ثلاثة أسباب رئيسية

أولًا: تعثر تنفيذ اتفاق مارس 2025
التأخير في دمج الهياكل العسكرية والإدارية خلق حالة احتقان متصاعدة، جعلت خيار الحسم الميداني يعود إلى الواجهة.

ثانيًا: الخلاف حول شكل الدولة
«قسد» طالبت بصيغة سياسية ودستورية أكثر مرونة، بينما تمسّكت دمشق بمفهوم الدولة الموحدة دون استثناءات سيادية.

ثالثًا: الاتهامات بوجود أطراف معرقِلة
الجيش السوري اتهم عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني بعرقلة الاتفاق وتنفيذ عمليات أمنية، بينها تفجيرات وعمليات تلغيم، ما عزز القناعة بضرورة التحرك الميداني.

خامسًا: البعد الإنساني

المدنيون بين الانسحاب والانتشار

رغم غياب معارك واسعة، شهدت مناطق غرب الفرات موجات نزوح محدودة، مع محاولة آلاف المدنيين الابتعاد عن خطوط التماس.
تقارير محلية أشارت إلى صعوبات في الحركة نتيجة القيود الأمنية، في مقابل إعلان الجيش السوري فتح ممرات إنسانية لتسهيل الخروج الآمن.

الملف الإنساني ظل حاضرًا في حسابات الوسطاء الدوليين، الذين سعوا إلى منع تحوّل العملية إلى مواجهة طويلة الأمد.

سادسًا: التفاعلات الإقليمية والدولية

قلق أمريكي، حذر تركي، ووساطات نشطة

الولايات المتحدة
واشنطن عبّرت عن قلقها من توسّع العمليات، خاصة أن «قسد» كانت شريكًا أساسيًا لها في الحرب ضد تنظيم داعش، ما يضع التحرك السوري في إطار إعادة ترتيب العلاقة مع حلفاء الأمس.

تركيا
أنقرة تابعت التطورات بحذر شديد. ورغم حساسيتها التقليدية تجاه أي نفوذ كردي مسلح قرب حدودها، فإنها لا تبدو راغبة في فتح جبهة جديدة قد تخلط الأوراق شمال سوريا.

الوسطاء الدوليون
نشطت اتصالات مكثفة خلال الأسابيع السابقة للتهدئة، في محاولة لإنقاذ اتفاق مارس أو إعادة صياغته ضمن واقع ميداني جديد.

سابعًا: ماذا يعني ما جرى لمستقبل سوريا؟

إعادة رسم النفوذ أم تأجيل الصراع؟

سيطرة الجيش السوري على غرب الفرات تمثّل تحولًا إستراتيجيًا يعزز موقع الدولة في معادلة النفوذ الداخلي، ويعيد فتح ملف بسط السيطرة على بقية المناطق الخارجة عن السلطة المركزية.

في المقابل، فإن تراجع دور «قسد» كقوة مستقلة لا يعني بالضرورة اختفاءها من المشهد، بل قد يفتح الباب أمام تحولات داخلية في بنيتها أو علاقاتها الدولية.

الأهم أن ما جرى يعكس مرحلة انتقالية دقيقة، قد تقود إما إلى تسوية شاملة، أو إلى صراع مؤجَّل بأدوات مختلفة.

الخلاصة | سوريا بين استعادة الدولة واختبار الاستقرار

ما حدث في غرب الفرات في يناير 2026 ليس مجرد تحرك عسكري، بل فصل جديد في معركة السيادة السورية.

الدولة تسعى لاستعادة الجغرافيا.
«قسد» تبحث عن ضمانات سياسية.
والقوى الدولية تراقب بحذر خشية انفجار أكبر.

النتيجة النهائية لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن شمال شرق سوريا لم يعد كما كان قبل هذا اليوم، وأن خريطة النفوذ هناك دخلت مرحلة إعادة تشكّل عميقة، سيكون لها أثر طويل المدى على مستقبل البلاد والمنطقة.

تم نسخ الرابط