ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

ليس من العسير أن تُصاغ الانتصارات في البيانات، ولا أن تُشيَّد الأمجاد في العناوين، ولكن العبرة — كل العبرة — بما يثبته الواقع، وتصدّقه الوقائع، وتشهد له موازين الحقائق لا صدى الشعارات.

لقد دأبت بعض الخطابات الإعلامية في بعض دولنا العربية على رسم صورة متخمة بالإنجازات، تُحدِّث عن نصرٍ مُتحقِّق، وتفوّقٍ مُحرَز، وقوةٍ جوية تُضاهي الكبار، ومنظوماتٍ حديثة تُزاحم الأوائل، حتى ليخال للمتلقي أنه أمام قوةٍ لا تُبارى، ودولةٍ قد حسمت ميادين الصراع لصالحها حسمًا لا رجعة فيه. 

غير أن هذا البناء اللفظي، على ما فيه من زخرفٍ وإحكام، سرعان ما يتهاوى إذا عُرض على محكّ الواقع، وقيس بميزان الحقائق المجرّدة.

فليس كل ما يُقال يُصدَّق، ولا كل ما يُروَّج له يُسلَّم به، إذ إن الفارق بين الحقيقة والدعاية، كالفارق بين الجوهر والظل؛ قد يبدو الظل ممتدًا عريضًا، لكنه يظل خاليًا من الكتلة، مجرد انعكاسٍ لا يقوم بذاته.

 وكذلك هي الادعاءات حين تُفارق الواقع، وتغترب عن الشواهد، تتحول إلى صورٍ صوتية، لا سند لها إلا تكرارها، ولا قوة لها إلا في صداها.

إن الحديث عن التفوق العسكري، وبخاصة في مجالاتٍ دقيقة كالقوة الجوية والتسليح المتطور، لا يُحسم بعبارات الإعجاب، ولا يُقاس بمظاهر العرض، وإنما تُحدده معايير صارمة: من كفاءة التشغيل، إلى نتائج المواجهة، إلى القدرة على الحسم في ميادين الاختبار الحقيقي. وهناك، في تلك الميادين، لا تُجدي البلاغة، ولا تنفع العبارات المنمقة، بل يُفصل القول بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال في المنابر.

وإذا كان من حق الدول أن تعتز بما تملك، وأن تعرض منجزاتها، فإن من واجبها — كذلك — أن تُبقي خطابها في حدود الصدق، وألا تُفرط في تصوير ما ليس بواقع، لأن الإفراط في الادعاء لا يُقنع العاقل، بل يُثير الريبة، ويفتح باب التساؤل، ويُسقط من رصيد المصداقية بقدر ما يظن صاحبه أنه يرفعه، وقد حدث معنا هذا في عام ١٩٦٧م، فكانت النكسة المدوية.

إن الشعوب اليوم لم تعد أسيرة خطابٍ أحادي، ولا رهينة روايةٍ واحدة، بل باتت تملك من أدوات المعرفة ما يمكّنها من التمييز بين الحقيقة وصورتها، وبين الإنجاز الفعلي وصدى الدعاية. ومن ثم، فإن الرهان على تزييف الوعي أو تضخيم المنجزات رهانٌ خاسر، لا يلبث أن ينكشف، وتتبين حدوده.

وخلاصة القول: إن النصر لا يُعلَن، بل يُرى، ولا يُدَّعى، بل يُثبت، ولا يُقاس بحجم ما يُقال عنه، بل بقدر ما يتركه من أثرٍ في الواقع. وما سوى ذلك، فليس إلا أصداء كلماتٍ، قد تعلو حينًا، لكنها لا تلبث أن تخفت حين تُعرض على ميزان الحقيقة.

تم نسخ الرابط