يقول الأستاذ العقاد في مقدمة "عبقرية الإمام"
"فالبطل الذي يلتقي بالفكر وحده أسهل من البطل الذي يلتقي بالفكر والعاطفة، وإن هذا لأسهل من الذي يلتقي بالفكر والعاطفة والخيال، وكل أولئك أسهل ممن يلتقي في ألف سنة متوالية بدخائل النفوس جميعاً .."
مفتاح شخصية علي بن أبي طالب يختلف جذرياً عن مفتاح شخصيات العبقريات.
الحديث عن علي بن أبي يستوجب الحديث عن النفس البشرية بكل ما يحيط بها من تناقضات أو ما يبدو أنها كذلك، وقليل من الناس من يُسخِّر تناقضاته ويحيلها إلى أعظم جوانب شخصيته أو عبقريته.
هنا نتحدث عن بطل.
لكنه يلتقي بالفكر فترتفع منزلته.
ثم يلتقيان بالعاطفة فترتفع أكثر منزلته ثم تبلغ ذروتها عندما يلتقي البطل بالفكر والعاطفة ودخائل النفوس.
أظن أننا نكون هنا أمام مبلغ العبقرية التي هي نادرة بتلك الندرة التي يمكن أن تجتمع تلك الصفات للبطل.
ربما جاء وصف أبي العلاء وهو ما لا يعرف بالتشيع بل وكما يقول الأستاذ العقاد" بل ظنت بإسلامه الظنون"
يصف أبو العلاء علي بن ابي طالب في بيتين شعر يقول:
وعلى الأفق من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان.
فهما في أواخر الليل فجران ..
وفي أولياته شفقان.
حتى هنا في كلام أبي العلاء نلحظ أنه لم يصف فقط بطل يلقى حتفه في سبيل ما يؤمن به. بل يتحدث عن بطل يبدو في أواخر الليل فجراً وفي أولياته شفقاً.
فهذه لا تقال إلا لعلي أو من ماثله.
وتلك الصفات المجتمعة ونقصد بها لقاء الفكر والعاطفة والعلم بدواخل الناس ليست صفات حصرية بعلي، ولكنها تليق بكل بطل حقيقي علم أن البطولة ليست فقط غلواً بل رحمة، وأن القوة ليست كلها بطش بل حكمة، وأن الحكم ليس كل حزم بل تواضع وأن الصرامة ليست كلها حدة بل لين.
تلك هي أعظم معادلات الحياة حينما تجتمع في شخص واحد.
يضيف الأستاذ العقاد في مقدمته: " وفي ابن أبي طالب ملتقى بالخيال حيث تحلق الشرعية الإنسانية في الأجواء أو تغوص في الأغوار. فهو الشجاع الذي نزعت له الشاعرية الإنسانية منزع الحقيقة ومنزع التخيل، واشترك في تعظيمه شهود العيان وعشاق الأعاجيب .."
لو لم يقل العقاد في وصف سيرة علي غير أنها ملتقى بالخيال حيث تحلق الشاعرية الإنسانية لكان كافياً لكي نقبض بأيدينا على مفتاح شخصية الرجل.
ربما يقول قائل: أي شاعرية إنسانية تلك التي يقول بها الكاتب الكبير في وصف سيرة رجل قد لقي من الدماء ما لم يلقاه رجل دولة منذ عهد الخلافة، حتى أنها لا تسفك من هو فقط بل أمعن السفك في ذريته.
رجل كان خصمه يتوعده بالموت ظمآن.
في معركة صفين كان جنود معاوية يحولون بينه وبين الماء ثم لا يخجلون أن يصيحوا في وجه: "ولا قطرة حتى تموت عطشاً .."
ولما انقلب الأمر عليهم سوغ لهم أن يشربوا الماء كما يشربه جنده لا فارق بين هذا وذاك.
تلك هي إذن الشاعرية الإنسانية التي نقول بها، لكنها الشاعرية المفعمة بالقوة والزهو والفخر.
تلك الشاعرية الإنسانية التي تجعل علي يبدي تعليمات لجنده شرعت بعدة تحت وصف قانون الحرب.
يقول علي مخاطباً جنده:
"لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح أو تكشفوا ستراً أو تأخذوا مالاً.."
وتلك الشاعرية التي تمنعه من أن يرد على صفية أم طلحة عندما صاحت به: " أيتم الله منك أولادك" ثم عادت تكررها ولما غضب رجل من رجاله وقال له: يا أمير المؤمنين. أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع؟
فانتهره علي وهو يقول:
ويحك؟ .. إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات أفلا نكف عنهن وهن مسلمات.
وتلك الشاعرية التي جعلته يأمر بجلد رجلين نالا من السيدة عائشة وهي التي حاربته. ثم ودعها خير وداع وأكرم مسارها وسار في ركابها أميالاً وأرسل معها من يخدمها ويحفظها.
وأتساءل عجباً:
إذا كانت هذه الشاعرية الإنسانية قد أثقلت علي من كثرة ما مرت به الحوادث فكيف وهو في سن العاشرة يتحدث بها.
في مكة لم يجد الرسول إلا قليل من الناس تنصره ثم، انفضوا عنه واحد تلو الآخر وكأن الرسول يقول سراً أو جهراً: من بقي من أنصاري؟
فإذا بطفل العاشرة يقول بملء قلبه وفمه:
"أنا نصيرك .."
فيضحك الحضور مما أعدوه مزاح طفل لكن الرسول صدقه. هو وحده الذي صدقه.
أكانت شاعرية علي هنا قد خضبت في كيانه حتى جرت على لسانه ثم تجسدت في فعله، فنام في فراش النبي فسجلها التاريخ!
ربما كانت تلك أبعد الصفات عن علي ظاهرياً وهو عاش بلا دولة لأنهم استكثروها عليه لكنه رغم ذلك مزج العقل بالقلب والفكر بالعاطفة وقبض السيف برقة مقلتيه.
إن أبعد الصفات ظاهرياً عن الإنسان ربما تكون هي ألصق صفاته من حيث الجوهر. إن عبقرية الشخصية تكمن في المزج بين ما يمكن أن يُرى أنه تناقض، فإذا به منسجماً كبيت شعر لأبي نواس في نفس صاحبه.
هذا الهاشمي بن الهاشمي أسموه علياً فظل هكذا علياً حتى وإن أُغمد السيف في صدره وصدر ولده وصدر ولد ولده. لكنا بقي علياً.
لقد أخذوا عليه زهوه. ظنوه من الغرور.
يقول الزبير وقد كان صاحبه:
"لا يدع ابن أبي طالب زهوه"
فسمع رسول الله وقال:
"إنه ليس به زهو، ولتقاتلنه وأنت له ظالم .."
ويالها من نبوءة ..!

