ads
الأحد 26 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

تذكّر أمسيات القرية حين كانت البيوت تهدأ من الخارج وتزدحم من الداخل.

الراديو في زاوية الغرفة، والتلفاز أمام المقاعد، والوجوه حولهما في جلسة لم تكن تحتاج إلى سبب واضح حتى تكتمل. 

توقّف نظره عند ضوء المساء المنسحب عن الحقول.

تبدلت الصورة أمامه؛ ظهرت الغرفة القديمة كما لو أنها ما زالت في مكانها. 

كان يجلس طفلًا بين إخوته وأبناء أعمامه، قريبًا من الجد والأب، بينما تختلط الأصوات حوله بين حكاية وتعليق وضحكة عابرة.

لم يكن أحد يحتاج إلى موعد أو دعوة؛ كانت المقاعد تمتلئ واحدًا بعد آخر، ويأتي الليل فيجدهم هناك.

كانوا ينتظرون حفلات أم كلثوم الشهرية. 

قبل أن يبدأ الغناء، تكون الفاكهة قد دارت بين الأيدي، واستقرت الملاعق فوق الزجاج بين مقطع وآخر.

 تُقشّر أعواد القصب ببطء، وتُفتح أكياس الفول السوداني وسط ضحكات متفرقة، بينما يملأ الصوت الغرفة ثم يتسلل من النوافذ إلى الحديقة.

 ويبقى الجميع في أماكنهم حتى النهاية، كأن الليل في تلك الساعات كان يعرف موعدًا لن يتكرر.

ولم تكن تلك الليالي تنتهي حين ينتهي الغناء.

 كان الأطفال يبقون في أماكنهم، يراقبون الكبار وهم يتحدثون، ويتناقلون قطع الفاكهة وأكياس الفول السوداني حتى بعد أن تخفت الأصوات من حولهم. 

لم يكونوا يعرفون ما الذي يجعل تلك الساعات مختلفة، لكنهم كانوا يشعرون أن الرحيل عنها كان مبكرًا. 

كان الجد يعدّل جلسته على الوسادة، ويترك لحظة صمت قصيرة قبل أن يبدأ.

 ثم يرفع عينيه إلى نقطة بعيدة أمامه. 

يتحدث عن أيام عبد الناصر؛ عن صورته المعلقة في البيوت، وعن الناس الذين كانوا يرددون اسمه كأن بينهم وبينه معرفة قديمة. 

ثم يعود إلى يوم الرحيل؛ إلى الشوارع التي امتلأت بالوجوه الصامتة، وإلى قرية كاملة جلست أمام الراديو تتابع الخبر دون أن تجد ما تقوله.

كان صوته يتغير كلما اقترب من تلك الأيام؛ يبطئ أحيانًا، وينخفض أحيانًا، ثم يسكت بين جملة وأخرى، كأنه يمنح الكلمات وقتها قبل أن يواصل. 

وحين يقترب من تلك اللحظة، تتوقف يده قليلًا فوق ركبته، ثم تعود ببطء إلى مكانها. ينظر إلى الوجوه حوله، ويقول بصوت خافت:

"الناس ما بَكتش بس، الناس نزلت الشوارع كأن البيوت بقت أضيق من الحزن."

ثم يصل الجد إلى حكاية النعوش التي خرجت في القرى.

 يصف المسارات الممتدة بين البيوت، والناس الذين خرجوا خلفها في صمت؛ قرية تسلمها إلى أخرى، حتى بدت الطرق بين الأماكن أقصر مما كانت.

 كان الطفل يصغي.

 يحاول أن يرسم في خياله ذلك الجمع الكبير الذي لم تره عيناه. 

ومع كل جملة من الجد، كان الصمت يزداد حوله.

 تتوقف يد عن الحركة.

 وتهدأ خطوات طفل اقترب من النوم. 

وتبقى العيون معلقة به حتى بعد أن ينتهي من الجملة.

كانت تلك الليالي تأتي كما تأتي بقية الأيام؛ نهاية شهر، جلسة تتكرر، وأصوات يعرفون موعدها قبل أن تبدأ. 

لم يكن الطفل يسأل لماذا بقيت تلك الساعات في مكانها، ولماذا ظلت أصواتها تعود إليه كلما ابتعد

تم نسخ الرابط