من الإعدام إلى البراءة.. جنايات السويس تبرئ متهماً من القتل العمد لعدم كفاية الأدلة
المحكمة: شهادة الشاهد الرئيسي غير موثوقة وتضارب الأقوال وغياب الدليل المادي أسقط الاتهام
أودعت محكمة جنايات السويس (الدائرة الثانية الجنائية) حيثيات حكمها التاريخي ببراءة متهم من تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، إلى جانب اتهامات حيازة أسلحة نارية وذخائر واستعراض القوة، وذلك في القضية رقم 1044 لسنة 2021 جنايات فيصل.
وكانت النيابة العامة قد أسندت إلى المتهم، بالاشتراك مع آخرين مجهولين، قتل المجني عليه “محمود سليمان سالم محمد” عمدًا، من خلال إطلاق أعيرة نارية عليه باستخدام بنادق آلية، ما أدى إلى وفاته متأثرًا بإصاباته، فضلًا عن ترويع المجني عليه الثاني “سالم سيد سالم”.
حيثيات الحكم: شك في الأدلة وعدم اطمئنان المحكمة
كشفت حيثيات الحكم، التي استند فيها الدفاع بقيادة المحامي بالنقض عصام البطاوي إلى عدة دفوع جوهرية، عن وجود قصور واضح في أدلة الاتهام، ما أدى إلى انتفاء يقين المحكمة بثبوت الجريمة.
أولاً: خلل في شهادة الإثبات
أكدت المحكمة أن الشاهد الرئيسي – وهو ابن عم المجني عليه – يعاني من مرض الفصام العقلي، وهو اضطراب يؤثر على الإدراك والوعي والتفكير، وثبت دخوله مستشفيات الصحة النفسية عدة مرات، الأمر الذي أفقد شهادته الثقة والمصداقية لدى المحكمة.
ثانيًا: تضارب الأقوال
أشارت المحكمة إلى تناقض أقوال الشاهد، إذ ذكر في تحقيقات النيابة أن عدد المتهمين سبعة أشخاص، ثم عاد أمام المحكمة ليحصر الاتهام في شخصين فقط، مؤكدًا عدم معرفته بباقي المتهمين، وهو ما اعتبرته المحكمة تضاربًا جوهريًا يهدر قيمة الشهادة.
ثالثًا: غياب الدليل المادي
أوضحت الحيثيات خلو الأوراق من أي دليل مادي يربط المتهم بالجريمة، حيث لم يتم ضبط أسلحة أو ذخائر بحوزته، ولم يثبت تواجده بمسرح الواقعة.
رابعًا: قصور التحريات
وصفت المحكمة تحريات المباحث بأنها جاءت في إطار “الظن والتخمين”، ومجهولة المصدر، ولا ترقى إلى مرتبة الدليل اليقيني الذي يمكن بناء حكم بالإدانة عليه.
دور عصام البطاوي في القضية.. تفكيك الأدلة وبناء الشك لصالح المتهم
لعب المحامي بالنقض عصام البطاوي دورًا محوريًا في مسار القضية، حيث نجح من خلال مرافعة قانونية دقيقة في تفكيك بنية الاتهام، والانتقال بها من مرحلة الاشتباه إلى دائرة الشك، وهو ما انعكس في حيثيات الحكم بالبراءة.
وركّز الدفاع على الطعن في الدليل القولي، كاشفًا عن عدم موثوقية الشاهد الرئيسي، مستندًا إلى تقارير طبية تثبت معاناته من اضطراب نفسي مؤثر على الإدراك، بما يُفقد شهادته قيمتها القانونية.
كما أبرز البطاوي التناقض الجوهري في أقوال الشاهد بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة، وهو ما أضعف رواية الاتهام وأفقدها الاتساق اللازم لبناء يقين قضائي.
وعلى صعيد الدليل الفني والمادي، شدد الدفاع على خلو الأوراق من أي دليل يربط المتهم بمسرح الجريمة، مع غياب ضبط الأسلحة أو أي قرائن مادية، إلى جانب الدفع بقصور تحريات المباحث وكونها مجرد أقوال مرسلة لا ترقى لمرتبة الدليل.
وقد نجحت هذه الاستراتيجية الدفاعية في ترسيخ مبدأ جوهري أمام المحكمة، وهو أن الشك يفسر لصالح المتهم، وأن الأحكام الجنائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين، وهو ما انتهت إليه المحكمة بإصدار حكمها بالبراءة.







