في قضية العمى الجماعي لـ 75 مريضا بمستشفى 6 اكتوبر للتأمين الصحي.. المحكمة تنتدب اللجنة العليا للمسؤولية الطبية
قررت محكمة جنح الدقي، برئاسة القاضي مينا فايز، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«الإهمال الطبي لأطباء العيون بمستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي»، والمتعلقة بالتسبب – بطريق الخطأ – في إصابة 75 مواطنًا بفقدان البصر ومضاعفات خطيرة بالعين، ندب اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض، المشكلة وفقًا للقانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن إصدار قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض؛ وذلك للنظر في الشكوى المقدمة ضد مقدمي الخدمة المتهمين، بشأن الأخطاء الطبية المنسوبة إليهم.
وقضت المحكمة بإعداد تقرير مُسبب بنتيجة فحص الشكوى، على أن يتضمن التقرير – على وجه الخصوص – بيان مدى وقوع الخطأ الطبي من عدمه، ومدى جسامته، وتحديد نسبة المشاركة في الخطأ الطبي حال تعدد المسؤولين عنه، وبيان سببه والأضرار المترتبة عليه، والعلاقة السببية بين الخطأ الطبي والضرر، ونسبة العجز في العضو المتضرر – إن وجدت.
كما حددت المحكمة جلسة 24 يونيو المقبل لنظر الدعوى، مع إلزام اللجنة المنتدبة بإيداع تقريرها قبل موعد الجلسة بأسبوعين على الأقل، وكلفت قلم الكتاب بإعلان المتهمين والمدعين بالحق المدني فور ورود التقرير، مع تمكينهم من الاطلاع عليه فور إيداعه وإبداء ما يرونه من ملاحظات بشأنه. وأرجأت المحكمة الفصل في المصروفات لحين صدور حكم نهائي، واعتبرت النطق بالحكم إعلانًا للمتهمين والمدعين بالحق المدني.
الطب الشرعي: الإصابات ليست مضاعفات فردية بل تفشٍ عدوي جماعي
وكانت النيابة العامة قد شكلت لجنة ثلاثية من مصلحة الطب الشرعي، والتي انتهت – بعد الاطلاع على أوراق القضية وما تضمنته من تقارير طبية وسجلات علاجية وتقارير لجان مكافحة العدوى ومحاضر فحص الأجهزة الطبية وتقارير المزارع الميكروبيولوجية وسجلات التعقيم وإفادات المرضى والعاملين – إلى أن الواقعة تتمثل في حدوث عدد كبير من حالات التهاب باطن مقلة العين عقب إجراء عمليات إزالة المياه البيضاء بمستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي خلال الفترة من 18 أغسطس 2025 وحتى سبتمبر من العام ذاته.
وأوضحت اللجنة أن التدخلات الجراحية أجريت بواسطة كل من الدكتور محمد عبد الحميد ذكي المعصراوي، والدكتور حافظ السيد حافظ أحمد، والدكتورة سحر عبد الله عيسى محمد، وقد أعقب تلك العمليات إصابة المرضى بعدوى شديدة داخل العين، تمثلت في تدهور حاد بالإبصار والتهابات قيحية استوجبت خضوع بعض المرضى لتدخلات جراحية لاحقة، وتحويل آخرين إلى مستشفيات جامعية وخاصة.
وأكد التقرير أن جميع الحالات أجريت داخل غرفة العمليات نفسها وباستخدام جهاز «الفاكو» ذاته، وهو ما يمثل – طبيًا ووبائيًا – تفشيًا عدويًا جماعيًا، وليس مجرد مضاعفات طبية فردية محتملة، خاصة أن هذا النوع من العدوى يعد نادر الحدوث حال الالتزام بالأصول الطبية وقواعد التعقيم ومكافحة العدوى.
وأضاف التقرير أن التحليل الفني أثبت أن نمط الإصابات وتوقيتها وتكرارها، فضلًا عن عزل ميكروبات سالبة الجرام مثل: (Pseudomonas – Klebsiella – Acinetobacter)، يتعارض مع فرضية العدوى الذاتية من المريض، ويتوافق علميًا مع عدوى مكتسبة من بيئة الرعاية الصحية أو من أدوات طبية ملوثة، خاصة أن هذه الميكروبات ترتبط غالبًا بالمياه والأنابيب والأجهزة الطبية التي تعاني من قصور في التنظيف والتعقيم.
جهاز «الفاكو» المتقادم في بؤرة الاتهامات
وأشار التقرير إلى أن جهاز «الفاكو» المستخدم كان جهازًا متقادمًا تجاوز عمره الافتراضي، ولم تتوافر له شهادات صيانة أو معايرة أو تعليمات تشغيل معتمدة، كما تبين أن بعض أجزائه – خاصة الوصلات والأنابيب ويد الجهاز – أعيد استخدامها بين المرضى دون الالتزام بالمعالجة الصحيحة، مع تعقيمها بوسائل غير معتمدة مثل التعقيم بالبلازما، بالمخالفة لتعليمات الشركات المصنعة والمعايير الدولية التي تنص على أن التعقيم بالبخار المشبع «الأوتوكلاف» هو الإجراء القياسي المعتمد.
كما ثبت وجود ترسبات وطبقات (Biofilm) داخل الأنابيب، في مخالفة للأصول الطبية المتعارف عليها.
وكشف التقرير كذلك عن وجود قصور جسيم بمنظومة مكافحة العدوى، تمثل في التأخر في الإبلاغ عن الحالات الأولى، والاستمرار في إجراء العمليات الجراحية رغم ظهور إصابات مؤكدة، وعدم وقف غرفة العمليات أو عزل مصدر الخطر، فضلًا عن وجود تلوث ببعض مكونات البيئة الجراحية والمطهرات، بما يخالف صراحة القواعد الدولية التي توجب الإيقاف الفوري للنشاط الجراحي عند الاشتباه في تفشي العدوى.
وأضاف أن هناك قصورًا إكلينيكيًا وتوثيقيًا تمثل في غياب التوثيق السليم لحالة المرضى قبل وبعد الجراحة، وعدم وجود سجلات واضحة للمضاعفات والمتابعة.
وأكد التقرير أن العلاقة السببية بين المخالفات الفنية والإدارية والإصابات التي لحقت بالمرضى علاقة مباشرة ومؤكدة، حيث إن توقيت ظهور العدوى ووحدة المكان والأداة وتشابه العزل الميكروبي تُعد قرائن علمية متضافرة تؤكد وحدة المصدر وتستبعد الأسباب الفردية أو العارضة.
وأشار إلى أن ما لحق ببعض المرضى من مضاعفات جسيمة وصلت إلى فقدان الإبصار أو استئصال محتويات العين يُعد من قبيل الإصابات البالغة التي قد تخلّف عاهات مستديمة.
وانتهى التقرير إلى أن الإصابات محل التحقيق ليست من قبيل المضاعفات الطبية المتوقعة، وإنما نتجت عن عدوى مكتسبة من المنشأة الصحية بسبب إهمال جسيم متعدد المستويات، شمل استخدام أدوات غير صالحة فنيًا، والفشل في التعقيم، والقصور في مكافحة العدوى، والاستمرار في إجراء تدخلات جراحية رغم العلم بخطر العدوى، بما تسبب في وقوع أضرار جسيمة للمرضى.
وأكد التقرير أن المسؤولية الطبية لا تقتصر على شخص واحد، وإنما تمثل مسؤولية مشتركة تشمل القائمين على التدخلات الجراحية والإشراف الطبي والإداري بالقسم ومنظومة مكافحة العدوى والتعقيم، كلٌّ بحسب دوره ومدى تقصيره.
لجنة الهندسة الطبية: الجهاز بلا صيانة أو شهادات صلاحية
كما أثبت تقرير لجنة الهندسة الطبية بوزارة الصحة وجود مخالفات جسيمة تتعلق بجهاز «الفاكو»، أبرزها عدم وجود شهادات صلاحية تشغيل أو عقود صيانة أو تقارير إصلاح أو معايرة معتمدة، إضافة إلى استخدامه بالمخالفة لتعليمات الشركة المصنعة.
لجنة مكافحة العدوى: تلوث ظاهر داخل الوصلات الطبية
فيما أكدت لجنة مكافحة العدوى بوزارة الصحة وجود تلوث ظاهر داخل الوصلات المتصلة بالجهاز، نتيجة عدم تعقيمها بصورة كاملة ودورية، بما هيأ بيئة خصبة لانتقال العدوى بين المرضى.
تقرير الحوكمة: مخالفات في التعقيم وعدم الالتزام ببروتوكولات الوقاية
في حين خلص تقرير لجنة إدارة الحوكمة والمراجعة الداخلية بوزارة الصحة إلى وقوع تفشٍّ لعدوى المواضع الجراحية خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2025، مع عدم الالتزام بالإبلاغ الفوري عن حالات العدوى، وعدم إعادة معالجة الجهاز بين المرضى، فضلًا عن وجود مخالفات تتعلق ببروتوكولات التعقيم وصرف المضادات الحيوية الوقائية.







