الأردن: مهرجان جرش الأربعون يجسد إرث الأردن الثقافي ويجمع الأجيال
انطلقت فعاليات الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون 2026، في محطة استثنائية تعكس المكانة التي وصل إليها أحد أبرز المهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي، حيث حملت الدورة الحالية شعار "إرث يمتد.. أجيال تلتقي"، تأكيدًا على استمرارية المشروع الثقافي الأردني، ودوره في الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الحوار بين الثقافات، إلى جانب ترسيخ مكانة الأردن كمنصة للإبداع والفنون والآداب.
وتأتي الدورة الأربعون للمهرجان باعتبارها مناسبة وطنية وثقافية تستحضر مسيرة امتدت على مدار أربعة عقود، نجح خلالها مهرجان جرش في التحول من حدث فني سنوي إلى مشروع ثقافي متكامل يعكس السردية الأردنية، ويبرز تاريخ المملكة وحضارتها وإنسانها، مع المحافظة على الانفتاح على مختلف الثقافات العربية والعالمية.
وأكد رئيس اللجنة العليا للمهرجان ووزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة أن الدورة الحالية تستند إلى مشروع "السردية الأردنية.. حكاية الأرض والإنسان"، باعتباره العنوان الأبرز للفعاليات، موضحًا أن المهرجان يسعى إلى توثيق الرواية الوطنية الأردنية وإبراز تاريخ البلاد الممتد عبر الحضارات، بما يعكس الهوية الأردنية الراسخة ويجسد الإرث الثقافي الذي تتميز به المملكة.
من جانبه، أوضح المدير التنفيذي للمهرجان المستشار يزن الخضير أن مهرجان جرش لم يعد مجرد مهرجان فني، بل أصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية ومشروعًا حضاريًا يحمل رسالة تتجدد مع كل دورة دون أن يفقد أصالته، مشيرًا إلى أن إدارة المهرجان حرصت هذا العام على تقديم تجربة ثقافية شاملة تتجاوز الحفلات الغنائية التقليدية لتضم نحو 220 فعالية متنوعة تشمل الموسيقى، والشعر، والمسرح، والفنون التشكيلية، والتراث الشعبي، والأنشطة العائلية، في إطار يعكس تنوع المشهد الثقافي الأردني.
وشهد حفل افتتاح الدورة الأربعين، الذي أقيم على المسرح الشمالي بمدينة جرش الأثرية، تقديم عرض فني ضخم استعرض تاريخ الأغنية الأردنية منذ روادها الأوائل وحتى الجيل الحالي، في لوحة فنية مزجت بين التراث والتطوير، وشاركت فيها مجموعة من أبرز نجوم الغناء الأردني، من بينهم عمر العبداللات، وحسين السلمان، وعزيز مرقة، ونداء شرارة، وعصام النجار، في عرض جسد شعار الدورة "أجيال تلتقي"، بمصاحبة عروض بصرية وتقنيات إضاءة ثلاثية الأبعاد أضفت طابعًا استثنائيًا على الاحتفال.
وتميزت الدورة الحالية بسلسلة من أعمال التطوير داخل المدينة الأثرية، حيث عملت إدارة المهرجان على تحسين تجربة الزوار من خلال تطوير البنية التحتية، وتوفير وسائل نقل حديثة، وتوظيف التقنيات الرقمية، إلى جانب إعادة تصميم الساحة البيضاوية "الفورم"، وإنشاء أماكن جديدة للجلوس والاستراحة، فضلًا عن تخصيص شارع الأعمدة ليصبح "ممشى الفن"، الذي تحول إلى معرض مفتوح للفنون التشكيلية والعروض الموسيقية والرسم والكاريكاتير، بما يمنح الزائر تجربة ثقافية متكاملة داخل المدينة التاريخية.
كما شملت أعمال التطوير استخدام تقنيات الإضاءة ثلاثية الأبعاد لإبراز المعالم الأثرية، وفي مقدمتها بوابة هادريان، بالإضافة إلى إنشاء مسرح الهيبودروم الجديد وفق أحدث المعايير العالمية ليستوعب نحو ثلاثة آلاف متفرج، في خطوة تستهدف تعزيز البنية الثقافية للمهرجان واستيعاب المزيد من الفعاليات خلال الدورات المقبلة.
ولم يقتصر دور مهرجان جرش على الجانب الثقافي والفني فقط، بل عزز أيضًا دوره التنموي والاقتصادي، من خلال تنظيم سوق للحرف التراثية والصناعات اليدوية، بمشاركة واسعة من سيدات المجتمع المحلي اللاتي قدمن منتجات غذائية وتراثية ومشغولات يدوية ومطرزات أردنية، في إطار دعم المشروعات الصغيرة وتمكين المرأة اقتصاديًا، وإبراز المنتج المحلي باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية الأردنية.
وأكدت إدارة المهرجان أن الدورة الأربعين جاءت ثمرة تعاون واسع بين مختلف المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية والقطاعين العام والخاص، بما ساهم في تنظيم فعاليات تعكس الصورة الحضارية للأردن، وتعزز مكانته كدولة تمتلك أدوات القوة الناعمة القادرة على مد جسور التواصل الثقافي بين الشعوب.
وكان رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان قد أوقد شعلة المهرجان مندوبًا عن جلالة الملك عبدالله الثاني، إيذانًا بانطلاق فعاليات الدورة الأربعين، في رسالة تؤكد استمرار مهرجان جرش في أداء رسالته الثقافية والإنسانية، باعتباره منصة تجمع الفن والفكر والإبداع، وتسهم في نقل صورة الأردن الحضارية إلى العالم، وترسخ مكانته كأحد أهم المهرجانات الثقافية في المنطقة العربية.