كانت أول جريمة قتل عرفتها البشرية يوم امتدت يد قابيل إلى أخيه هابيل، فسال أول دم على وجه الأرض، ومنذ ذلك اليوم والقتل جريمة تتكرر في تاريخ الإنسان، على بشاعتها وقسوتها.
غير أن هناك صورًا من القتل لا يملك العقل السوي إلا أن يقف أمامها مذهولًا؛ لأنها لا تهدم حياة إنسان فحسب، بل تهدم الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ومن أفظع هذه الصور أن تمتد يد الابن أو الابنة إلى أحد الوالدين أو كليهما، فتقتل من كان سببًا في وجودها، ومن أفنى عمره في رعايتها.
إن عقوق الوالدين وحده من أكبر الكبائر وأعظم الآثام، فكيف إذا انتهى الأمر إلى الاعتداء على حياتهما؟! لقد بلغ من تعظيم الإسلام لحق الوالدين أنه نهى عن أدنى مراتب الإساءة إليهما، فقال سبحانه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وهي كلمة تضجر وتأفف، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأشد؟! إن هذا التشريع الإلهي إنما جاء ليصون الأسرة، ويحفظ للوالدين مكانتهما، ويغرس في النفوس معاني الرحمة والوفاء والبر.
وقد هزَّ الرأي العام ما أثير حول اتهام إحدى المحاميات المعروفة، التي عُرفت بالدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، في قضية تتعلق بوفاة والدتها، وهي قضية ما تزال منظورة أمام جهات التحقيق والقضاء. ومهما تكن ملابساتها وما ستنتهي إليه الأحكام القضائية، فإن مجرد تصور الاعتداء على الأم يهز الضمير الإنساني، ويبعث في النفوس مشاعر الفزع والأسى؛ لأن الأم ليست فردًا عاديًا في حياة الإنسان، بل هي عنوان الرحمة، ومصدر الحنان، وصاحبة الفضل الذي لا يكافئه فضل.
والمثير للاستغراب أن ينشغل بعض الزملاء في مهنة المحاماة بالدعوة إلى منع الناس من إبداء مشاعرهم تجاه هذه الواقعة، أو مطالبة وسائل الإعلام بالكف عن تناولها، مع أن تنظيم النشر في القضايا المنظورة هو من اختصاص النيابة العامة والجهات القضائية المختصة، وليس من حق الأفراد أن يفرضوا على المجتمع صمتًا أو يمنعوا الناس من التعبير عن استنكارهم، ما دام ذلك في حدود القانون، وبعيدًا عن التجريح أو التأثير على سير العدالة.
إن المحاماة رسالة سامية قبل أن تكون مهنة، وأصحابها يمثلون بحق أحد جناحي العدالة، ويُطلق عليهم «القضاء الواقف». ولذلك فإن مكانتهم في وجدان الناس تقتضي منهم أن يكونوا أكثر حرصًا على صون هيبة العدالة، وتعزيز الثقة فيها، واحترام مشاعر المجتمع، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق كل متهم في محاكمة عادلة، وترك الفصل النهائي للقضاء وحده.
فلنحفظ لمهنة المحاماة جلالها، وللقضاء هيبته، وللمجتمع حقه في أن يحزن ويستنكر، دون أن يفتئت أحد على سلطة القانون أو يحتكر الحديث باسم العدالة؛ فالقضاء وحده هو صاحب الكلمة الأخيرة، وهو الملاذ الذي تستقر عنده الحقوق، وتطمئن إليه النفوس.
