من أعظم ما قدمه الكاتب أسامة أنور عكاشة أنه لم يكن يكتب دراما للتسلية فقط، بل كان يكتب تاريخًا، ويطرح أسئلة تتجاوز زمن العمل بعشرات السنين. ولذلك، كلما أعدت مشاهدة «ليالي الحلمية»، اكتشفت أن كثيرًا مما اعتبرناه دراما أصبح واقعًا نعيشه اليوم.
في أحد مشاهد الجزء الرابع، يدور حوار بين سليم البدري ونجله علي البدري حول سياسة الانفتاح الاقتصادي. يتحدث الابن بفخر عن تضاعف أرباح مجموعة البدري، لكن الأب يقاطعه بسؤال يهز المعنى كله: «الأرباح دي جاية من إيه؟»
ثم يوضح فكرته ببساطة شديدة: هل نبني اقتصادًا قويًا من تجارة البسكويت، وأدوات التجميل، والسلع الاستهلاكية التي تحقق أرباحًا سريعة؟ أم نبنيه من مصانع الغزل والنسيج، والحديد والصلب، والهندسة، والكيماويات، وكل صناعة تضيف قيمة حقيقية إلى الاقتصاد؟
بعد أكثر من أربعين عامًا، لا يزال هذا السؤال قائمًا.
اليوم، عندما ننظر إلى المشهد الاقتصادي، نجد سباقًا محمومًا نحو الاستثمار في العقارات، والقرى السياحية، والمراكز التجارية (المولات)، والمطاعم، والمقاهي. وهذه القطاعات ليست بلا قيمة؛ فهي تخلق وظائف، وتحرك قطاعات اقتصادية أخرى، وتسهم في النمو. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هي الوجهة الأساسية لرؤوس الأموال، بينما تتراجع الصناعة إلى الصفوف الخلفية.
الدول لا تصبح قوية لأنها تمتلك أطول الأبراج، أو أكبر المنتجعات، أو أكثر المطاعم انتشارًا. الدول القوية هي التي تستطيع أن تكتب على منتجاتها عبارة: «صُنع في...» ثم تُصدرها إلى العالم.
الصناعة ليست مجرد مصانع ودخان يتصاعد من المداخن، بل هي علم، وتكنولوجيا، وبحث وتطوير، وفرص عمل مستقرة، وعملة صعبة تأتي من التصدير، واستقلال اقتصادي يقلل الاعتماد على الخارج.
من حق أي رجل أعمال أن يستثمر حيث يرى الفرصة الأفضل، فهذه طبيعة الاقتصاد. لكن رجال الأعمال الكبار لا يُقاس نجاحهم فقط بحجم ثرواتهم، بل أيضًا بالأثر الذي يتركونه في اقتصاد أوطانهم. فالمصنع الذي ينتج ويُصدِّر قد يغير مستقبل مدينة كاملة، ويخلق آلاف الوظائف، وينقل الخبرات من جيل إلى آخر.
ولذلك، فإن الرسالة ليست إلى شخص بعينه، بل إلى كل من يمتلك القدرة على الاستثمار: لماذا لا يكون لدينا سباق نحو إنشاء مصانع للإلكترونيات، والآلات، والأدوية، والصناعات الهندسية، والطاقة الجديدة، والغزل والنسيج، كما نرى السباق نحو المشروعات العقارية والسياحية؟
مصر ليست في حاجة إلى أن تختار بين الصناعة والعقارات أو السياحة، بل هي في حاجة إلى اقتصاد متوازن، تكون فيه الصناعة قاطرة التنمية، بينما تكملها بقية القطاعات.
أما الحديث عن إعمار الدول العربية المنكوبة، فهو واجب إنساني وقومي عندما تسمح الظروف بذلك، لكن نهضة مصر تبدأ أولًا من داخل مصانعها، ومن تعليم عمالها ومهندسيها، ومن دعم المنتج المحلي، ومن تحويل الأفكار إلى منتجات تنافس في الأسواق العالمية.
ربما لهذا بقيت أعمال أسامة أنور عكاشة حية حتى اليوم؛ لأنه لم يكن يكتب عن الماضي، بل كان يزرع أسئلة للمستقبل. والسؤال الذي طرحه سليم البدري لا يزال ينتظر الإجابة:
هل نريد اقتصادًا يربح سريعًا... أم وطنًا يُنتج ويصنع ويقود؟
إذا كانت الإجابة هي الوطن، فإن الصناعة ليست رفاهية، بل هي الطريق الذي سلكته كل أمة أرادت أن تكتب اسمها بين الدول المتقدمة.
- لواء عبد الحميد خيرت
- أسامة أنور عكاشة
- ليالي الحلمية
- سليم البدري
- الصناعة في مصر
- الاقتصاد المصري
- الاستثمار في الصناعة
- الاستثمار العقاري
- التنمية الصناعية
- رؤية مصر الاقتصادية
- الغزل والنسيج
- الحديد والصلب
- الصناعات الهندسية
- الصناعة والتصدير
- دعم المنتج المحلي
- الاقتصاد الإنتاجي
- الاقتصاد الوطني
- المقالات الاقتصادية

