ads
الجمعة 17 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

المتهم ليس مطالبًا بإثبات براءته.. جنايات الجيزة تبرئ "بيبسي" وتسطر مبدأً هامًا حول "حق الصمت"

المستشار د. محمد
المستشار د. محمد الجنزوري

في حكم قضائي بارز يرسخ مبادئ حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة المنصفة، سطرت محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار الدكتور محمد الجنزوري، حيثيات تاريخية تؤكد أن استعمال المتهم لحقه الدستوري في "التزام الصمت" لا يؤثر على عقيدة المحكمة، ولا يمنعها من القضاء بالبراءة طالما أن ظروف الدعوى وأوراقها تنطق بذلك.

صدر الحكم برئاسة المستشار د. محمد الجنزوري وعضوية المستشارين محمد سالمان و ووائل الشيمي و أيمن زعلوك، بأمانة سر أحمد رفعت، في الجناية رقم 572 لسنة 2026 قسم الطالبية، والمقيدة برقم 525 لسنة 2026 كلي جنوب الجيزة، لصالح المتهم "عمرو عيد عاشور جودة" (وشهرته عمرو بيبسي).

تفاصيل الاتهام وراوية ضابط الواقعة

تعود وقائع القضية إلى يوم 20 يناير 2026، بدائرة قسم شرطة الطالبية بمحافظة الجيزة، حيث اتهمت النيابة العامة المتهم بإحراز جوهرين مخدرين "(الميثامفيتامين)" و"(الكلونازيبام)" بقصد الاتجار، وإحراز أداة قطع "(كتر)" بدون مسوغ قانوني.

واستندت النيابة في اتهامها إلى شهادة النقيب محمود أحمد أبو الفتوح البسيوني، معاون مباحث قسم الطالبية، الذي قرر أنه حال مروره لتفقد حالة الأمن، وردت إليه معلومات من مصدر سري تفيد بقيام المتهم (عمرو بيبسي) بالاتجار في المواد المخدرة وتواجد حالياً بشارع عثمان محرم.

وزعم الضابط في شهادته، أنه توجه لصوب المكان وأبصر المتهم، وبعد برهه حضر إليه شخص آخر يستقل دراجة بخارية بدون لوحات، وتجاذبا أطراف الحديث ثم أبصر مشادة كلامية بينهما قام على إثرها المتهم بإخراج "كتر" وحاول التعدي على الآخر، فتدخل الضابط وسيطر على المتهم وضبط السلاح، بينما فر الآخر هارباً.

وادعى الضابط أنه بتفتيش المتهم عثر بحوزته على 49 كيس ميثامفيتامين، وشريطين لعقار الكلونازيبام المخدر، ومبلغ مالي وهاتف محمول، وزعم الضابط أن المتهم أقر له شفاهة بحيازته للمخدرات بقصد الاتجار.

مسلك المتهم في التحقيقات والدفاع أمام المحكمة

أثبتت حيثيات الحكم أن المتهم، باستجوابه بتحقيقات النيابة العامة، التزم "حق الصمت" على كافة أسئلة المحقق، كما رفض التوقيع على أقواله. وبجلسة المحاكمة حضر واعتصم بالإنكار، وتمسك الدفاع الحاضر معه ببطلان إجراءات القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس، وعدم معقولية تصور الواقعة، وانفراد الضابط بالشهادة، وكيدية الاتهام وتلفيقه.

حيثيات الحكم: انتصار للدستور وحقوق الإنسان

أولاً: صمت المتهم ضمانة دستورية لا قرينة إدانة

فجرت المحكمة مفاجأة قانونية بتأصيلها لحق الصمت، مستندة إلى المادة 55 من الدستور المصري لعام 2014، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وأكدت المحكمة في حيثياتها أن تمسك المتهم بحق الصمت أمام النيابة هو "حق معترف به دستورياً وعالمياً"، وأن عبء الإثبات يقع على عاتق سلطة الاتهام، وليس على المتهم إثبات براءته بالكلام.

وشددت المحكمة على أن صمت المتهم أو رفضه التوقيع "ليس دليلاً ضده بثبوت التهمة، ولا قرينة على صحة الاتهام، بل هو تفعيل لضمانة دستورية أصيلة تغل يد المحكمة عن استخلاص أي تأويل يضار به المتهم".

وأضافت المحكمة أنها، رغم الموقف السلبي للمتـهم، عكفت على تمحيص الأوراق لتبحث عن الحقيقة فيما "تنطق به الأوراق، لا فيما سكت عنه المتهم"، مؤكدة أن القضاء هو الحارس الأمين على الحريات.

ثانياً: تفكيك رواية الضابط من منظور العقل والمنطق

وفي معرض تفنيدها لأدلة الثبوت، أكدت المحكمة أنها داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات ورجحت دفاع المتهم، وذلك لعدة أسباب جوهرية:

عدم معقولية تصور حدوث الواقعة: وصفت المحكمة رواية الضابط بأنها "لا تستقيم والمجرى العادي للأمور". وتساءلت المحكمة كيف لتاجر مخدرات، جُبل على "شدة الحيطة والحذر وغريزة الحرص والتوقي"، أن يحمل كمية من المخدرات ثم يقوم بالتشاجر بـ"كتر" في مواجهة المارة والضابط وعلى مرأى من الكافة؟ وأكدت المحكمة أن هذا السلوك يتناقض مع المنطق، معتبرة أن الرواية لُفقت "لإسباغ الشرعية على إجراءات تمت بالمخالفة للقانون لإختلاق حالة تلبس".

انفراد الضابط بالشهادة وحجب القوة المرافقة: لاحظت المحكمة عدم اطمئنانها لتعمد الضابط الانفراد بالشهادة وحجب باقي أفراد القوة المرافقة عن أداء الشهادة "كي يحمل لوائها بنفسه"، مما يوقن في ضمير المحكمة أن للواقعة صورة أخرى حجبها الضابط.

جحد إقرار المتهم بمحضر جمع الاستدلالات: رفضت المحكمة التعويل على ما سطر في محضر الشرطة من أن المتهم أقر بالاتجار، معتبرة إياه "إقراراً مجحوداً" من المتهم منذ بزوغ فجر التحقيقات، وأن قصد الشاهد (الضابط) منه هو "توثيق الاتهام دون سند من الواقع".

منطوق الحكم بالبراءة والمصادرة

تأسيساً على ما تقدم، ولما أحاط الشك بأدلة الثبوت وخلت الأوراق من أي دليل مشروع آخر، قضت محكمة جنايات الجيزة ببراءة المتهم عمرو عيد عاشور جودة مما أسند إليه، ومصادرة المخدر والسلاح الأبيض المضبوطين.

تم نسخ الرابط