ads
الجمعة 17 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

بسبب كاميرات المراقبة والاعترافات.. كيف تحولت براءة تاجر هتك عرض طفل إلى السجن 15 سنة؟

المستشار شريف اسماعيل
المستشار شريف اسماعيل

أودعت محكمة جنايات مسـتأنف برئاسة المستشار شريف إسماعيل،  أسباب حكمها التاريخي والذي قضت فيه المحكمة غيابيًا وبإجماع الآراء بإلغاء حكم براءة المتهم "م. حميدو"، والقضاء مجددًا بمعاقبته بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا، وإلزامه بالمصاريف الجنائية، لإدانته بخطف الطفل "الطاهر" بالتحايل وهتك عرضه بالقوة.

حيلة الحانوت.. تفاصيل استدراج طفل الفيوم داخل المخزن

تعود وقائع القضية إلى يوم 28 أكتوبر 2025، حيث أسندت النيابة العامة للمتهم قيامه بخطف الطفل المجني بالتحايل، مستغلاً حداثة سنه وبراءته.

 وانتهز المتهم فرصة مجيء الطفل إلى الحانوت (المحل) الخاص به لشراء بعض المستلزمات، واستدرجه تحايلًا إلى المخزن الخاص به بزعم مساعدته في حمل بعض المنقولات، قاصدًا من ذلك إبعاده عن ذويه وأعين الرقباء.

واقترنت هذه الجناية بجناية أخرى، وهي أنه في ذات الزمان والمكان، هتك عرض الطفل بالقوة؛ فما إن دلفا إلى المخزن البعيد عن الأعين حتى قام بتجريده من ملابس رغما عنه كاشفًا عورته، وقام بإيلاجه من الدبر دون رضاه إشباعًا لشهوته الجنسية، وتبين من التحقيقات أن المتهم اعتاد ارتكاب ذلك الجرم عدة مرات سابقة مع الضحية.

مفاجأة أول درجة.. عدول الضحية وأسرته وبراءة المتهم

شهدت محكمة جنايات أول درجة مفاجأة قانونية؛ إذ تداولت القضية ومثل المتهم وأنكر الاتهامات، في حين استمعت المحكمة إلى شهادة والدة المجني عليه التي عدلت عن اتهام المتهم وقررت أنها لا تتهمه بشيء.

 كما سُئل الطفل المجني عليه فقرر بعدم قيام المتهم بهتك عرضه، وادعى أنه قال ذلك في البداية خوفًا من شقيقه بسبب تأخره في العودة إلى المنزل بعدما كان يلعب مع أصدقائه.

واستند الدفاع إلى أقوال الأم والطفل، ودفع بانتفاء أركان الجريمة المادية والمعنوية، وعدم جدية التحريات، وانتفاء صلة المتهم بالواقعة، معتصمًا بما ثبت بتقرير الطب الشرعي من عدم وجود آثار تعدٍ ظاهرية، وبجلسة 5 فبراير 2026، أصدرت محكمة أول درجة حكمها بحضور المتهم بالبراءة، تأسيسًا على التشكك في صحة إسناد التهمة وخلو الأوراق من دليل يقيني.

 النيابة العامة.. طعن بالاستئناف يكشف الفساد في الاستدلال

لم ترتضِ النيابة العامة حكم البراءة، فطعنت عليه بالاستئناف بموجب تقرير موقع من المحامي العام للنيابة في 24 مارس 2026.

 وأودعت النيابة مذكرة بأسباب الاستئناف أكدت فيها أن الحكم الطعين انطوى على فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب؛ حيث أغفلت محكمة أول درجة أقوال شقيق المجني عليه، وأقوال الطفل الأصلية بالتحقيقات، والتي توافقت تمامًا مع تحريات النقيب محمد عبد العليم، معاون المباحث، فضلاً عن اعتراف المتهم الصريح بتحقيقات النيابة وأمام المحكمة أثناء تجديد حبسه.

تأصيل قانوني.. كيف يُحاكم المتهم غيابيًا في استئناف الجنايات؟

فجّرت المحكمة الاستئنافية تأصيلاً قانونيًا هامًا بشأن خطة المشرع في القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية، وأوضحت أنه يجوز للمحكمة إصدار حكم غيابي بالإدانة في غيبة المتهم المطعون ضده إذا كانت النيابة العامة هي الخصم المستأنِف ولم يحضر المتهم رغم إعلانه.

وأشارت الحيثيات إلى أن المادة 419 مكرر/9 ألزمت المحكمة بندب محامٍ للمتهم الغائب فقط إذا كان الاستئناف مرفوعًا من المتهم نفسه ليكون الحكم حضوريًا دائمًا، أما في حالة استئناف النيابة فلا تملك المحكمة انتداب محامٍ له في غيبته، مما يتصور معه صدور حكم غيابي بالإدانة يلغي البراءة، ويكون هذا الحكم قابلاً لإعادة الإجراءات بمجرد حضور المحكوم عليه أو القبض عليه وسقوط العقوبة بموجب القانون.

حيثيات إسقاط البراءة.. المحكمة ترد على 4 دفوع جوهرية

أكدت محكمة جنايات مستأنف أنها طالعت الأوراق عن بصر وبصيرة، وأعادت موازنة أدلة الثبوت، وردت على دفوع الدفاع كالتالي:

عدول المجني عليه ووالدته: أكدت المحكمة أن العدول لا يزعزع عقيدتها؛ لأن الأقوال الأولى بالتحقيقات صدرت فور الواقعة والذاكرة حية ومتفقة مع باقي الأدلة، بينما جاء العدول اللاحق أمام محكمة أول درجة عاريًا من أي تفسير منطقي، ولمحكمة الموضوع الأخذ بأقوال الشاهد في التحقيقات والالتفات عن عدوله.

اعتراف المتهم الصريح: استندت المحكمة إلى اعتراف المتهم بارتكاب الجريمة في تحقيقات النيابة وأمام قاضي تجديد الحبس، وهو اعتراف صدر طواعية وعن إرادة حرة واعية وخالٍ من أي ادعاء بالإكراه، والعدول عنه لا ينال من قيمته.

الدليل الرقمي (كاميرات المراقبة): أثبت تفريغ مقاطع الفيديو بمحيط الحانوت والمخزن اصطحاب المتهم للطفل ودخولهما معًا للمخزن، وهو ما يطابق رواية الطفل واعتراف المتهم، واعتبرتها المحكمة قرينة قوية تقطع بكذب ادعاء اختلاق الواقعة.

التقرير الطبي الشرعي: حسمت المحكمة الجدل مؤكدة أن "الدليل الفني في جرائم الاعتداء على العرض ليس دليلًا لازمًا للإدانة"، وخلو التقرير من إصابات ظاهرة لا ينفي الجريمة؛ لأن هتك العرض قد يقع دون ترك أثر مادي أو قد يزول الأثر بمضي الوقت، والعبرة باطمئنان القاضي لجماع الأدلة المتساندة.

حكم رادع بإجماع الآراء والارتباط الذي لا يقبل التجزئة

وفي ختام حيثياتها، أكدت المحكمة توافر القصد الجنائي وركني الخطف بالتحايل وهتك العرض بالقوة، وأشارت إلى وجود ارتباط وثيق لا يقبل التجزئة بين الجريمتين وفقًا للمادة 32 من قانون العقوبات؛ حيث كانت جريمة الخطف بالتحايل هي الوسيلة الممهدة لتنفيذ هتك العرض، مما أوجب عقابه بعقوبة الجريمة الأشد.

وشددت المحكمة على أن الجرائم الواقعة على الأطفال تهدر حق الطفولة في الأمان والسلامة النفسية والجسدية ولها آثار تلازم الضحية طوال حياته، مما يستوجب مواجهتها بكل حزم؛ ولهذه الأسباب حكمت المحكمة غيابيًا وبإجماع الآراء بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء بمعاقبة م حميدو  بالسجن المشدد لمدة 15 سنة عما نُسب إليه، وألزمته بالمصاريف الجنائية.

إقرأ ايضا.. براءة تاريخية في أول تطبيق لحكم الدستورية بشأن جداول المخدرات

تم نسخ الرابط