ads
الثلاثاء 21 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

قبل عشر سنوات فقط لم نكن نعرف شيئاً عن دعاء يقول: "جمعة مباركة".  
كان الناس يحتفون بيوم الجمعة بطريقة عادية.  
إنه يوم إجازة ويوم صلاة جامعة. نقرأ سورة الكهف ونشعل البخور ونرتدي ثياباً أنيقة أياً كانت هيئتها، ثم نذهب إلى الصلاة ونصطحب أطفالنا إلى المساجد. نسمع الخطبة. نتناقش في موضوعها ويسلم بعضنا على بعض، دون أن نرسل أو نتلقى رسالة مزينة بأدعية ذات ألوان جاذبة منمقة تقول: "جمعة مباركة".  
فهل كنا نجهل أنه يوم مبارك ثم اكتشفنا فجأة ذلك مع التطور التكنولوجي؟!  
بالطبع لا.

وقس على ذلك كافة المناسبات الدينية.  
لكل مناسبة تصميم خاص.  
في شهر رمضان يصبح تصميم الفانوس هو العنصر الأهم، وعند عيد الفطر يلعب الكعك هذا الدور، وأما في عيد الأضحى فتصميم خروف العيد هو بطل المناسبة بلا منازع.  
أشكال وألوان وطرائف وأعاجيب.  
تصميمات تخدم كل مناسبة بلا روح وبلا معنى وبلا رمزية تتفق وجوهر المناسبة.  
إنها التكنولوجيا والتطور الرقمي فحسب ولا شيء سواه.

هؤلاء المصممون يدركون جيداً أنه لم يعد لدينا وقت لكي نكتب شيئاً من القلب، حتى ولو كانت كلمات بسيطة.  
لقد تحول الأمر إلى الآلة.  
هي ستفعل ذلك. ستقوم بالدور كاملاً.  
فقط ادخل على الصفحة المتخصصة واختر التصميم العجيب ثم أرسله آلياً وعشوائياً.  
هذا كل شيء.

هذه العلاقة بين التكنولوجيا والتدين الظاهري تتخذ مناحي أكبر وأخطر.  
إن الأمر لا يتوقف عند حد بوستر التهنئة فهذا شيء ثانوي لا ضرر ولا فائدة منه على أية حال، لكن الأمر يتعدى إلى مقولات ومأثورات لم تصدر عن الذين تنسب إليهم.  

الإمامان العادلان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب كانا في الصدارة من حيث الكذب عليهما.  
الأول اشتهر بعدله، فلمَ لا نكذب عليه باسم العدل؟  
والثاني اشتهر بحكمته، فلنكذب عليه إذن باسم الحكمة.  
لن تجد خيراً منهما عند ترويجك منشوراً منسوباً لهما بكلمات تتناسب مع شخصية كل منهما ومكانته الكبيرة في قلوب الناس.  
قبول المنشور هنا سيكون هو الطريق الأيسر والأسلم والأقرب إلى التصديق، ومن ثم يأتي ترويجه بنفس المنطق.

الشيخ الشعراوي يحتل مكانة كبيرة بشأن ترويج المنشورات الدينية التي تُنسب إليه.  
يكفي أن تضع له صورة مبتسماً مبتهجاً، ثم تخترع المنشور الذي يتفق معها، وينطلق الترويج بلا هوادة، وكأن لسان المروج يقول: إن كل تفكير أصبح محفوفاً بالمخاطر، وكل إعمال للعقل مرهق، وكل تأمل أو مراجعة أو تدقيق لا طائل منه...!  
اقبل المنشور ثم أرسله.  
إن الأمر لا يستغرق سوى بضع ثوانٍ.  
لا شأن لك بجوهره ولا بموضوعه ولا بصحة نسبه وسنده.  
لا وقت للتفكير أو التدقيق.  
هناك من يفكر بدلاً منك، وهناك من يختار بدلاً منك.  
المهم هو أن يعجبك التصميم وتجذبك الألوان وتروق لك الكلمات.

الدعاء أصبح بتلك الطريقة الآلية.  
الاختيار بحسب حالتك النفسية:  
حزين .. مكتئب .. تمر بضيق .. متعب .. مظلوم .. مقهور .. أصبحت فجأة محل غدر وخيانة كل أفراد الكوكب الأرضي...!  
كل شيء موجود وبحسب اختيارك.  
أنت ترفع الدعاء الذي يناسب حالتك.  
لا مناجاة بكلماتك، ولا دعاء من قلبك، ولا شجن تستطيع أن تعبر عنه بوجدانك.  
كل شيء معد سلفاً ومجهز حسب ما تريد.  
لقد قامت التكنولوجيا بكل الأدوار. لديك صفحة هنا على فيسبوك وأنت رئيس تحريرها.  
تستطيع أن تعبئها كما تريد. لا أحد يراجعك ولا أحد يحول بينك وبين عملية النشر وإعادة النشر.  
أرح ضميرك المتعب بمنشور يريح الضمير.  
واشكُ إلى الله غدر الزمان بمنشور أعددناه لك بعناية... بكل عناية.  
كل شيء معد سلفاً، فقط عليك الاختيار.

الأحاديث الضعيفة هي أيقونة تلك الصفحات.  
ليس هناك تأثير يفوق تأثير هذه الأحاديث عليك.  
إنها تدغدغ عاطفتك للمدة التي تستغرقها عند اختيارها ثم نشرها.

هذا العالم الافتراضي المسمى فيسبوك أصبح خطراً على الفطرة والفكرة وكل ما له قيمة وجدانية.  
قد تقول: أنا لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي ولذلك أتخير ما يتناسب وحالتي.  
وأجيبك: من قال لك إنك مكلف بأن تكون خطيباً مفوهاً أو أديباً منمقاً أو شاعراً لا يشق له غبار أو مثقفاً يتحكم بالكلمات...!  
من قال إنك يجب أن تكون هذا أو ذاك...!  
أليس لك قلب؟  
أليس لك وجدان؟  
أليس لك ضمير؟  
دع كل هذه الملكات تخاطب الله، وهي ستكون أفضل من مائة صفحة وأصدق من ألف منشور.  
أنت تخاطب الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.  
أليس هذا يكفيك؟  
ألا تستطيع أن تقول: يا رب، ثم ترتجل في حديثك معه بلغتك ولهجتك وأسلوبك الفطري البسيط؟  
أليس هذا كافياً...!  
بالتأكيد كافٍ.

وعند عيد ميلاد السيد المسيح ستكون هذه المنشورات حاضرة بكل تأكيد.  
هذه مناسبة كبيرة لكي تظهر الوحدة بين الهلال والصليب...!  
بين هذا الطفل بملابس الإحرام، وبين ذاك الطفل الذي يتدلى من عنقه الصليب، وكلاهما بملامح غربية مصطنعة.
بين هذا الشيخ الذي يقود الدراجة، والقسيس الذي يقبع خلفه ضاحكاً. بين هذا التمايل الهندسي لمئذنة مسجد تحتضن قباب كنيسة...!  
إنها منشورات جميلة حقاً.  
صور مركبة بعناية، جودة فائقة، وملامح أناس مبتسمة مبتهجة سهلة الاستخدام.

كل هذا الإتقان لا يوازي مقدار نبضة واحدة تخرج من القلب الصادق إلى القلب الصادق.  
وكل هذا التنميق لا يعادل كلمة طيبة بسيطة تبعث بها نفس طاهرة محبة.

أعيدونا إلى الماضي، إلى ما قبل ظهور الإنترنت أيها السادة.  
أعيدونا لكي نتقابل معاً، نتحدث معاً، يبارك بعضنا بعضاً.  
أعيدونا حيث تختلط الأسماء والوجوه والقلوب والمناسبات والتبريكات.  
أعيدونا إلى زمن ليس فيه بوست ولا بوستر ولا تصميم ولا تركيب ولا رسائل مزعجة جوفاء صماء لا حياة ولا روح فيها.  
أعيدونا إلى عصر الخطابات المكتوبة والزيارات الصادقة الدافئة وصوت جرس تليفون المنزل.  
أعيدونا إلى لحظة الطرق على الأبواب برفق.  
نتبادل الأطباق والابتسامات والتهنئة من القلب.  
أعيدونا إلى الصدق والاشتياق ونبل الأشياء ورمزية المعنى ومشاركة الوجدان وحكم الضمير.  
أعيدونا إلى صدق الحياة، فقد سئمنا الكذب والنفاق ولم نعد قادرين حتى على إتقان الرياء...!

تم نسخ الرابط