زيارة تاريخية لغوتيريش إلى سوريا.. أول أمين عام للأمم المتحدة يزور دمشق منذ 2011 ورسائل لدعم المرحلة الانتقالية
وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، السبت، إلى العاصمة السورية دمشق، في أول زيارة يجريها أمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا وهو على رأس المنظمة الدولية منذ عام 2011، في خطوة وُصفت بأنها محطة سياسية ودبلوماسية بارزة تعكس التحولات التي تشهدها البلاد بعد سنوات طويلة من الصراع.
وتأتي الزيارة في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة انتقالية جديدة عقب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد أواخر عام 2024، وهي التطورات التي أنهت مرحلة امتدت لأكثر من عقد من الحرب، وفتحت الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة تسعى الحكومة الحالية من خلالها إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة حضورها على الساحة الدولية.

لقاءات مع القيادة السورية
من المقرر أن يعقد غوتيريش سلسلة من الاجتماعات مع الرئيس السوري أحمد الشرع، إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني وعدد من كبار المسؤولين الحكوميين، بالإضافة إلى لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني، في إطار مساعٍ أممية لدعم جهود الاستقرار وتعزيز الحوار خلال المرحلة الانتقالية.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوغاريك أن الزيارة تهدف إلى تأكيد دعم المنظمة الدولية للشعب السوري، مشيرًا إلى أن البلاد تمتلك فرصة حقيقية ليس فقط للتعافي من آثار الحرب، وإنما أيضًا لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وشمولًا وازدهارًا لجميع السوريين.
رسائل الأمم المتحدة بشأن مستقبل سوريا
تحمل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة رسائل سياسية وإنسانية متعددة، أبرزها تأكيد استمرار دعم الأمم المتحدة لمسار التعافي وإعادة الإعمار، مع التشديد على أهمية تحقيق الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز المصالحة الوطنية.
ويرى مراقبون أن الزيارة تعكس اهتمام المنظمة الدولية بمتابعة التطورات الميدانية والسياسية في سوريا، خاصة في ظل المتغيرات التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين، وما ترتب عليها من تحولات في المشهد الداخلي والعلاقات الخارجية.
مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات
رغم التقدم السياسي الذي شهدته سوريا خلال الفترة الأخيرة، لا تزال المرحلة الانتقالية تواجه تحديات معقدة تتعلق بالاستقرار الأمني، وإعادة بناء الاقتصاد، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الحياة الطبيعية بعد سنوات الحرب.
وتؤكد الأمم المتحدة أن نجاح المرحلة الحالية يتطلب تعزيز سيادة القانون، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتوسيع المشاركة المجتمعية، إلى جانب توفير بيئة آمنة تساعد على دفع جهود التنمية وإعادة الإعمار.
قلق أممي من أعمال العنف
ورغم الترحيب بالتحولات السياسية، سبق أن أعرب غوتيريش عن قلقه إزاء أعمال العنف التي شهدتها بعض المناطق السورية خلال المرحلة الانتقالية، ودعا إلى إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات، مع التأكيد على ضرورة حماية جميع المدنيين دون تمييز.
وتشدد الأمم المتحدة على أن تحقيق العدالة وسيادة القانون يمثلان عنصرين أساسيين في بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري، بما يدعم جهود الاستقرار والمصالحة الوطنية.
سوريا تسعى لاستعادة حضورها الدولي
تواصل الحكومة السورية الحالية تحركاتها لإعادة بناء علاقاتها الدبلوماسية مع مختلف الدول والمنظمات الدولية، بعد سنوات من العزلة التي فرضتها الحرب والأزمة السياسية، في إطار جهود تستهدف جذب الاستثمارات، وتحريك الاقتصاد، وإعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي.
ويرى محللون أن زيارة غوتيريش تمثل مؤشرًا على اهتمام المجتمع الدولي بمتابعة التطورات داخل سوريا، وقد تسهم في فتح آفاق جديدة للتعاون مع الأمم المتحدة في ملفات الإغاثة والتنمية وإعادة الإعمار.
تطورات في العلاقات الدولية
شهدت الأشهر الماضية خطوات دولية متسارعة تجاه سوريا، شملت تحركات سياسية واقتصادية هدفت إلى دعم مسار التعافي، في ظل سعي الحكومة الجديدة إلى توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، واستعادة دورها في المؤسسات الدولية.
ويعتبر مراقبون أن هذه التحركات تعكس تحولًا تدريجيًا في طريقة تعامل عدد من الأطراف الدولية مع الملف السوري، مع التركيز على دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
زيارة مجلس الشعب وقوات الأمم المتحدة
من المنتظر أن يلقي الأمين العام للأمم المتحدة كلمة أمام مجلس الشعب السوري الجديد، تتناول أهمية دعم المرحلة الانتقالية وتعزيز التعاون بين الأمم المتحدة وسوريا خلال الفترة المقبلة.
كما تشمل الزيارة جولة إلى قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في المنطقة العازلة بين القوات السورية والإسرائيلية، للاطلاع على أوضاع القوة الدولية وجهودها في الحفاظ على الاستقرار ومراقبة تنفيذ اتفاق فض الاشتباك.
ملف الجنوب السوري حاضر في الزيارة
يتوقع أن يحظى الوضع في جنوب سوريا باهتمام خلال لقاءات غوتيريش، في ظل استمرار وجود القوات الإسرائيلية في مناطق جنوبية كانت قد دخلتها عقب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، بينما تؤكد دمشق تمسكها بالانسحاب والعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وتتابع الأمم المتحدة هذا الملف باعتباره أحد أبرز القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي، مع استمرار الدعوات إلى احترام القانون الدولي والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
أهمية الزيارة في هذا التوقيت
تكتسب زيارة غوتيريش أهمية استثنائية باعتبارها الأولى من نوعها منذ توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة، كما تأتي في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا، حيث تتقاطع تحديات إعادة الإعمار مع متطلبات تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
ويرى متابعون أن نتائج الزيارة ستتوقف على ما ستسفر عنه اللقاءات الرسمية والمباحثات مع المسؤولين السوريين، ومدى قدرة الطرفين على تعزيز التعاون في الملفات الإنسانية والتنموية والسياسية، بما يدعم جهود التعافي ويمنح السوريين فرصة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا بعد سنوات طويلة من الصراع.