ads
الإثنين 27 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

الأستاذ الدكتور سلامة داود.. رجلٌ إذا ذُكر الفضل حضر، وإذا ذُكرت الأخلاق كان في مقدمة أهلها

ونحن على أعتاب وداع الأستاذ الدكتور سلامة داود من موقعه رئيسًا لجامعة الأزهر، لا نودع مجرد مسؤولٍ انتهت مدة تكليفه، وإنما نودع قامةً علميةً وإداريةً وإنسانيةً نادرة، تركت في النفوس من جميل الأثر ما تعجز الكلمات عن الإحاطة به.

عرفناه سمح النفس، طيب القلب، واسع الصدر، قريبًا من الناس، سريع العفو، لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، ولا يعرف طريق الانتقام إلى نفسه. وكان من أندر ما تميز به شجاعة الرجوع إلى الحق؛ فلا يرى في مراجعة القرار ضعفًا، ولا في العدول عنه انتقاصًا من مكانته، بل كان يرى أن الفضيلة كل الفضيلة في اتباع ما هو أصلح وأقوم.

 وهذه خصلة لا يتحلى بها إلا أصحاب النفوس الكبيرة، الذين انتصروا على أهوائهم قبل أن ينتصروا على غيرهم.

وكان حليمًا صبورًا، تحمل من ألوان الأذى ما لو حمله غيره لضاقت به الصدور، ولكنه كان يواجه الإساءة بالحلم، والخصومة بالصبر، والاندفاع بالحكمة، مستلهمًا في ذلك هدي القرآن الكريم الذي عاش معه عمرًا أستاذًا ومفسرًا وبلاغيًا. 

فما عُرف عنه إلا عفة اللسان، ورقي الكلمة، وحسن الخطاب، حتى أصبحت الحكمة رفيقة حديثه، والكلمة الطيبة عنوان شخصيته.

وقبل ذلك كله فهو عالمٌ جليل من أعلام البلاغة القرآنية، نهل من معين الإمام عبد القاهر الجرجاني، وتتلمذ على شيخ البلاغيين الأستاذ الدكتور محمد أبي موسى، حتى غدا واحدًا من أبرز المتخصصين في هذا الفن الشريف.

 كتب فأجاد، وألف فأبدع، وألقى المحاضرات فأسَر العقول والقلوب، يغوص في دقائق المعاني، ويكشف عن أسرار البيان، فيخرج طلابه وقد ذاقوا من شهد العلم، وارتووا من رحيق البلاغة، وأدركوا أن القرآن الكريم بحر لا تنقضي عجائبه.

لقد جمع الله له بين رفعة العالم، وحكمة القائد، ونبل الإنسان، فكان نموذجًا مشرقًا لرجل الأزهر الذي يحمل العلم خلقًا قبل أن يحمله معرفة، ويترجم القيم إلى سلوك قبل أن يدعو إليها بلسانه.

وإذا كانت المناصب إلى زوال، فإن المواقف الكريمة باقية، والسيرة العطرة لا يغيب نورها، والرجال العظام لا تُقاس قيمتهم بالكراسي التي جلسوا عليها، وإنما بما غرسوه في القلوب، وما تركوه في الناس من أثر طيب.

نسأل الله تعالى أن يجزيه عن الأزهر الشريف خير الجزاء، وأن يبارك له في عمره وعلمه، وأن يمتعه بموفور الصحة والعافية، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يوفقه إلى مزيد من العطاء في خدمة العلم والقرآن والأمة.

د. سلامة داوود
د. سلامة داوود
تم نسخ الرابط