ads
الأحد 26 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

الدعوى بنيت على الظنون.. براءة محام في قضية تزوير توكيلات

المستشار جمال السمري
المستشار جمال السمري

قضت محكمة جنايات القاهرة، ببراءة المحامي محمود. ع، من اتهامه بالاشتراك مع آخرين في تزوير واستعمال توكيلات رسمية وإيصالات أمانة منسوبة إلى أحد المواطنين، والتسبب في صدور حكمين غيابيين بحبسه لمدة 3 سنوات في كل قضية، مع مصادرة المحررات المزورة المضبوطة.

وأكدت المحكمة في أسباب حكمها أن أوراق الدعوى خلت من دليل فني أو يقيني يثبت اشتراك المتهم في وقائع التزوير أو علمه بتزوير التوكيل الذي استُخدم في اتخاذ إجراءات المعارضة والاستئناف، مشددة على أن الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين، ولا يجوز تأسيسها على الظن والاحتمال.

صدر الحكم برئاسة المستشار جمال السمري، وعضوية المستشارين أيمن بديع ومحمد إبراهيم حامد، بحضور عمر غزالي وكيل النيابة، وأمانة سر شريف محمد ، في القضية رقم 400 لسنة 2025 جنايات السيدة زينب، والمقيدة برقم 14 لسنة 2025 كلي جنوب القاهرة.

اتهامات بتزوير توكيلين رسميين

أسندت النيابة العامة إلى المتهم، وآخرين سبق الحكم عليهما، اتهامات بالاشتراك بطريقي الاتفاق والمساعدة في استعمال توكيل رسمي ثبت تزويره، إلى جانب اصطناع توكيل آخر منسوب صدوره إلى مكتب توثيق السيدة زينب.

وتضمنت الاتهامات الاشتراك مع شخص مجهول في تقليد خاتم شعار الجمهورية المنسوب إلى مكتب التوثيق، واستخدامه في ختم التوكيل المصطنع، فضلًا عن استعمال المحررات المزورة أمام موظفين عموميين حسني النية.

ووفقًا لأمر الإحالة، استُخدم التوكيل رقم 1579 حرف «أ» لسنة 2020، المنسوب صدوره إلى مكتب توثيق ضواحي الجيزة، في تحرير محضرين ضد المجني عليه مدحت حسنين أحمد حسين، بدعوى تبديده مبالغ مالية، وقُيد المحضران برقمي 4220 و4327 لسنة 2020 جنح مصر القديمة.

إيصالات أمانة منسوبة إلى المجني عليه

ذكرت النيابة أن المتهمين اشتركوا مع مجهول في اصطناع إيصالات أمانة، من خلال إمداده بالبيانات المطلوب إثباتها، ونسبوا صلبها وتوقيعاتها زورًا إلى المجني عليه.

واستُخدمت تلك الإيصالات في إقامة قضيتي تبديد ضد المجني عليه، ما ترتب عليه صدور حكمين غيابيين بحبسه 3 سنوات مع الشغل في كل قضية، وكفالة قدرها 50 ألف جنيه.

كما اتهمت النيابة المتهمين بالادعاء كذبًا، وبسوء قصد، بأن المجني عليه بدد مبالغ مالية، وهي واقعة كان من شأن ثبوتها تعريضه للعقوبات المقررة قانونًا.

مواطن يفاجأ بحكمين نهائيين بحبسه

قال المجني عليه في التحقيقات إنه فوجئ بأنه مطلوب للتنفيذ عليه بموجب حكمين نهائيين صادرين في قضيتي تبديد إيصالات أمانة، مؤكدًا أن الإيصالات المقدمة ضده مزورة صلبًا وتوقيعًا.

وأضاف أنه اكتشف وجود توكيل يحمل رقم 2601 حرف «أ» لسنة 2021، منسوب صدوره إلى مكتب توثيق السيدة زينب، رغم عدم تحريره له أو توقيعه عليه.

وبحسب أقواله، استُخدم هذا التوكيل في اتخاذ إجراءات المعارضة والاستئناف والمعارضة الاستئنافية في القضيتين، ما أدى إلى صيرورة الحكمين الصادرين ضده نهائيين واجبي النفاذ.

البراءة بعد إعادة نظر قضيتي التبديد

كشفت أوراق القضية أن إحدى محكمتي الجنح قضت غيابيًا بحبس المجني عليه 3 سنوات مع الشغل في كل قضية، قبل أن يتمكن لاحقًا من اتخاذ إجراءات المعارضة مرة أخرى.

وانتهت المحكمة في قضيتي التبديد إلى قبول المعارضة شكلًا، وإلغاء الحكمين السابقين، والقضاء مجددًا ببراءة المجني عليه مما أسند إليه، مع إحالة الأوراق إلى النيابة العامة لاتخاذ شؤونها بشأن وقائع التزوير.

موظفو النيابة يروون كيفية استعمال التوكيل

استمعت جهات التحقيق إلى أقوال عدد من موظفي نيابتي مصر القديمة وجنوب القاهرة، الذين أكدوا حضور المتهم بصفته وكيلًا عن المجني عليه، وتقديمه التوكيل المنسوب صدوره إلى مكتب توثيق السيدة زينب.

ووفقًا لشهاداتهم، استُخدم التوكيل في التقرير بالمعارضة والاستئناف والمعارضة الاستئنافية في قضيتي التبديد، إلا أن المحكمة أوضحت أن أقوال الموظفين اقتصرت على بيان الإجراءات التي اتخذوها بحسن نية، ولم تتضمن ما يثبت اشتراك المتهم في اصطناع التوكيل أو علمه بتزويره.

تحريات الأموال العامة: زوروا 4 إيصالات أمانة لتحرير محضر تبديد

قال مفتش بإدارة مكافحة جرائم الأموال العامة إن تحرياته دلت على استغلال المتهم وآخرين حاجة شخص متوفى إلى المال، والاتفاق معه على استخدام بطاقة رقم قومي مزورة باسم شخص آخر، لتحرير توكيل رسمي لصالح إحدى المتهمات.

وأضافت التحريات أن المتهمين اشتركوا في تزوير أربعة إيصالات أمانة منسوبة إلى المجني عليه، واستُخدمت في تحرير محضري التبديد، كما جرى اصطناع توكيل آخر واستعماله في اتخاذ إجراءات الطعن على الأحكام.

لكن المحكمة طرحت التحريات جانبًا، بعدما تبين لها أن مجريها لم يكشف عن مصادرها، وأنها لم تتعزز بأدلة أخرى يقينية تثبت مسؤولية المتهم عن الجرائم المسندة إليه.

الطب الشرعي: المجني عليه لم يكتب الإيصالات

أثبت تقرير الإدارة العامة لشؤون أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي أن المجني عليه لم يحرر أيًا من بيانات إيصال الأمانة المرسل للفحص، سواء في صلب المحرر أو توقيعه.

كما ورد باستعلام مكتب توثيق السيدة زينب أن التوكيل رقم 2601 حرف «أ» لسنة 2021 غير صادر عن المكتب، وأن سجلاته لا تتضمن توكيلات تحمل حرف «أ».

دفاع المتهم يطلب البراءة

أنكر المتهم الاتهامات المسندة إليه خلال جلسات المحاكمة، وتمسك دفاعه ببراءته، استنادًا إلى انتفاء أركان الجرائم، وعدم وجود دليل فني يربطه بوقائع التزوير، وانتفاء علمه بتزوير المحررات.

كما دفع الدفاع بانتفاء المساهمة الجنائية، وعدم معقولية تصوير الواقعة، وعدم جدية التحريات، وانقطاع صلة المتهم بتزوير التوكيلات وإيصالات الأمانة، مؤكدًا حسن نيته في استعمال التوكيل.

المحكمة: لا دليل على الاشتراك في التزوير

قالت المحكمة إن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يتحقق إلا إذا ثبت أن المتهم كان عالمًا بالحقيقة، واتجهت إرادته إلى تغييرها وإثبات واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة.

وأضافت أن جريمة استعمال المحرر المزور تستلزم ثبوت علم مستعمله بتزويره وقت تقديمه، وهو ما لم تطمئن المحكمة إلى توافره في حق المتهم.

وأوضحت أن الأوراق خلت من تقرير فني ينسب إليه اصطناع التوكيلات أو الإيصالات، كما خلت من دليل يثبت اتفاقه أو مساعدته للمتهمين الآخرين أو الشخص المجهول في تنفيذ عمليات التزوير وتقليد الأختام.

المحكمة: استعمال المحرر وحده لا يثبت العلم بتزويره

شددت المحكمة على أن مجرد ضبط المحرر المزور أو ثبوت استعماله أمام الموظفين العموميين لا يكفي وحده لإدانة الشخص بجريمة التزوير أو استعمال محرر مزور.

وأشارت إلى ضرورة وجود دليل يثبت أن المتهم ارتكب التزوير بنفسه، أو بواسطة شخص آخر، أو كان عالمًا بالتزوير عند استعمال المحرر، خاصة مع تمسكه بالإنكار.

ورأت المحكمة أن المتهم استخدم التوكيل بصفته وكيلًا عن محامٍ آخر، بموجب وكالة صحيحة، دون أن تقدم النيابة دليلًا يقينيًا على علمه بأن التوكيل المنسوب إلى المجني عليه مزور.

المحكمة تطرح أقوال المجني عليه والتحريات

لم تطمئن المحكمة إلى أقوال المجني عليه، واعتبرتها قائمة على الظن والفروض، مشيرة إلى أنه اتهم في بداية بلاغه عددًا من الأشخاص، ثم عاد واستبعد بعضهم خلال التحقيقات.

كما أوضحت أن التحريات لا تصلح منفردة لأن تكون دليلًا أساسيًا على ثبوت الاتهام، لا سيما مع عدم بيان مصادرها، وغياب دليل مستقل يمكن أن يعزز ما انتهت إليه.

وأكدت أن شهادة الموظفين حسني النية لا تتجاوز سرد الإجراءات التي اتخذوها عند تقديم التوكيل، ولا تشكل دليلًا على اشتراك المتهم في تزويره أو علمه بحقيقة ما ورد فيه.

المحكمة: بنيان الدعوى أُسس على الظنون

انتهت المحكمة إلى أن أدلة النيابة أحاط بها الشك، ولم تبلغ درجة القطع واليقين اللازمة لإدانة المتهم في المواد الجنائية.

وقالت المحكمة إن بنيان الدعوى أُسس على «شفا جرف هار من الظنون»، وإن الأحكام الجنائية لا تُبنى إلا على حجج قطعية الثبوت تفيد الجزم واليقين، ولا يجوز أن تؤسس على مجرد الاحتمال أو الاعتبارات المجردة.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة حضوريًا ببراءة محمود. ع مما نسب إليه، مع مصادرة المستندات المزورة المضبوطة.

تم نسخ الرابط