جنايات الجيزة تقضي ببراءة متهمين في قضية مخدرات وسلاح لعدم اطمئنانها لتقرير الإدمان “الاشتباه”
قضت محكمة جنايات الجيزة ببراءة المتهمين في قضية إحراز مواد مخدرة وتعاطٍ وحيازة سلاح أبيض، وذلك بعد أن انتهت المحكمة في أسباب حكمها إلى عدم اطمئنانها لأدلة الثبوت المقدمة في الدعوى وتقرير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان لكونه قائمًا على “الاشتباه” وليس اليقين، إلى جانب عدم وجود دليل فني قاطع من جهة الطب الشرعي.
وانتهت المحكمة في حيثياتها إلى أن الأحكام الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال، وأنه مع خلو الأوراق من دليل قطعي يطمئن إليه وجدان المحكمة، فإن الشك يفسر لصالح المتهمين، مما تقرر معه القضاء ببراءتهما مما نُسب إليهما من اتهامات.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها برئاسة المستشار د. محمد الجنزوري وعضوية المستشارين محمد أحمد سالمان ووائل الشيمي و أيمن زعلوك بأمانة سر أحمد رفعت و ماجد منير في الجناية رقم 15854 لسنة 2025 جنايات قسم شرطة الطالبية والمقيدة برقم 8984 لسنة 2025 كلي جنوب الجيزة، بعد تلاوة أمر الإحالة، وسماع طلبات النيابة العامة، والمرافعة الشفوية، ومطالعة الأوراق، والمداولة قانونًا:
وحيث إن النيابة العامة اتهمت كلاً من:
1- محمود أحمد محمد عيسى حامد
2- علي محمد صابر عبد المجيد عبد الغفار
لأنهما في يوم 4 / 12 / 2025 بدائرة قسم شرطة الطالبية بمحافظة الجيزة:
* أحرز الأول وحاز الثاني بقصد الاتجار جوهرًا مخدرًا (الحشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
* أحرز كل منهما بقصد التعاطي جوهرًا مخدرًا (الحشيش) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
* أحرز الثاني بقصد التعاطي جوهرًا مخدرًا (مشتقات الفينيثيل أمين) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
* أحرز الثاني سلاحًا أبيض (قاطع – كتر) دون أن يوجد لحمله مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية.
وأحالتهما إلى هذه المحكمة وطلبت عقابهما بالمواد 1، 2، 7/1، 34/1 بند (أ)، 42/1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، والبند رقم (12) من القسم الأول (ب)، والبند رقم (54) من القسم الثاني من الجدول رقم (1) الملحق بالقانون ذاته، والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء رقم 600 لسنة 2023، والمواد 1/1، 25 مكرر/1.
**30 / 1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل بالقوانين أرقام 26 لسنة 1978، و165 لسنة 1981، و5 لسنة 2019، والبند رقم (7) من الجدول رقم (1) المرفق بالقانون، وقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007.
وذلك استنادًا إلى شهادة النقيب شرطة أحمد محمد عبد الله عطية، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، وما ورد بتقرير المعمل الكيماوي.
فقد شهد النقيب أحمد عطية، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، أنه وحال قيامه بعمله ومروره بدائرة قسم شرطة الطالبية، وتحديدًا بشارع المريوطية، اشتم رائحة احتراق دخان لجوهر الحشيش، فتتبعه حتى شاهد شخصين يجلسان داخل دراجة بخارية (توك توك)، وكان أحدهما ممسكًا بسيجارة مشتعلة ملفوفة بطريقة غير منتظمة تنبعث منها رائحة دخان لجوهر الحشيش المخدر، وكانا يتبادلان تلك السيجارة فيما بينهما.
فتوجه نحوهما وتمكن من السيطرة عليهما والتحفظ على السيجارة وإطفائها، وبتفتيش الشخص الممسك بالسيجارة، وهو المتهم الأول محمود حامد، عُثر بين طيات ملابسه على عدد (2) قطعة بنية اللون صغيرة الحجم لجوهر الحشيش المخدر، وكذا مبلغ 850 جنيهًا وهاتف محمول.
وبتفتيش المتهم الثاني علي صابر عبد المجيد ، عُثر معه على عدد (4) قطع من مادة سمراء وسلاح أبيض عبارة عن (كتر)، ومبلغ 1100 جنيه وهاتف محمول، وبمواجهتهما أقرا بإحرازهما للمخدر والمبلغ والهاتفين.
وأثبت تقرير المعمل الكيماوي أن المضبوطات عبارة عن:
* عدد (2) قطعتين من مادة سمراء وزنتا 2.14 جرام، ثبت أنهما لمخدر الحشيش المدرج بالجدول الأول لقانون المخدرات.
* عدد (4) قطع من مادة سمراء وزنت 16.3 جرام، ثبت أنها لمخدر الحشيش المدرج بالجدول الأول لقانون المخدرات.
* سيجارة ملفوفة يدويًا تعلوها آثار احتراق، بداخلها خليط من التبغ وفتات من مادة سمراء لم يمكن فصلهما، وزنت السيجارة بما تحويه 1.05 جرام، وثبت أن الفتات لمخدر الحشيش المدرج بالجدول الأول من قانون المخدرات.
وثبت من تقرير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان: أن عينة البول للمتهم الأول يشتبه إيجابيتها لمخدر الحشيش، وأن عينة البول للمتهم الثاني يشتبه إيجابيتها لمخدر الحشيش والميثامفيتامين والأمفيتامين.
وباستجواب المتهمين في تحقيقات النيابة العامة، أنكرا ما أسند إليهما من اتهامات.
وبجلسة المحاكمة حضرا واعتصما بالإنكار، وتمسك الدفاع الحاضر معهما بطلب البراءة، تأسيسًا على دفوع حاصلها بطلان القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس، وعدم معقولية تصور حدوث الواقعة، وبطلان الإقرار المنسوب للمتهمين، وانفراد الضابط بالشهادة.
وحيث إن المحكمة، بعد أن محصت الدعوى وأحاطت بظروفها، وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام عن بصر وبصيرة، ووازنت بينها وبين أدلة النفي، قد داخلتها الريبة في صحة عناصر الإثبات، ومن ثم فإنها ترجح دفاع المتهمين، وترى أن للواقعة صورة أخرى غير تلك التي قال بها شاهد الواقعة، الأمر الذي يجعل المحكمة تتشكك في صحة إسناد التهمة إلى المتهمين، وبيان ذلك:
أولاً: عدم معقولية تصور تواجد المتهمين بالطريق العام يتناولان المواد المخدرة:
وحيث إن المحكمة تقضي في هذا الشأن بأن أصل البراءة يُعد قاعدة أساسية في نظام الاتهام، لا يُتصور التفريط فيها، إذ تفرضها حقائق الأشياء وتقتضيها الشرعية الإجرائية، بما يحقق حماية الأفراد من صور التحكم والتسلط والتحامل، ويحول دون اعتبار واقعة الجريمة ثابتة بغير دليل جاد وقاطع يبلغ حد الجزم واليقين، ولا يدع مجالًا لشبهة انتفاء التهمة أو الشك فيها، وإلا كان في ذلك هدم لأصل البراءة.
وكان من اللازم في أصول الاستدلال أن يكون الدليل الذي يعول عليه الحكم مؤديًا إلى ما رتبه عليه من نتائج، في غير تعسف في الاستنتاج، ولا تنافر مع حكم المنطق.
كما أن الأحكام الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين المستمد من الواقع الذي يثبته الدليل المعتبر، ولا تُؤسس على الظن والاحتمال أو الفروض والاعتبارات.
المجردة، وكانت العبرة في المحاكمة الجنائية هي باقتناع قاضي الموضوع، بناءً على الأدلة المطروحة عليه، بإدانة المتهم أو ببراءته. كما أن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تقدير الدليل، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود، وتطرح أقوال من لا تثق فيه ولا تطمئن إلى صحة روايته، وهي إذ تفعل ذلك لا تكون مطالبة بأن تفصح عن أسباب ذلك، لما هو مقرر من أن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهاداتهم، وتعويل القضاء عليها، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع، إذ إن ملاك الأمر في الدعوى هو وجدان قاضيها، ينزله المنزلة التي يراها ويقدره التقدير الذي يطمئن إليه.
وحيث إنه وقد ثبت في يقين ووجدان المحكمة أنه ليس من المتصور عقلاً ومنطقًا أن يقوم المتهمان بإحراز سيجارة مشتعلة ينبعث منها دخان كثيف يفوح منه رائحة المخدر، وهما محرزان لكمية أخرى من المواد المخدرة بقصد الاتجار، وذلك على مرأى من الكافة وبالطريق العام، إذ إن كل ذلك لا يستقيم مع المجرى العادي للأمور، وما جُبل عليه تجار المخدرات من شدة الحيطة والحذر وغريزة الحرص والتوقي، خاصةً وهما يعلمان قسوة العقوبة التي تنتظرهما إذا ما تم القبض عليهما.
ومن ثم كان من الطبيعي أن يخفي المتهمان، إذا كانا فعلًا من تجار المواد المخدرة، أي مقدمات تقود إلى الكشف عن حقيقة مستورهما وما يخفيانه من مواد مخدرة، ومن ذلك ألا يظهرا مكنون سرهما على مرأى ومسمع من القاصي والداني كما صوره ضابط الواقعة، إذ إن مثلهما في ذلك كمثل من ينادي على رجال الضبط للقبض عليهما وكشف ما يخفيانه من مواد مخدرة، وهو ما لا يستقيم مع العقل والمنطق.
ومن ثم لا تقيم المحكمة وزنًا لهذه الرواية التي شهد بها شاهد الواقعة، وترى فيها مجرد مجادلة لإسباغ الشرعية على إجراءات تمت بالمخالفة لأحكام القانون وقواعد الشرعية الإجرائية، وفي غير موجباته، لاختلاق حالة تلبس لا يصادفها الواقع وتتناقض مع الحقيقة، مما يتعين معه إطراحها وعدم التعويل على شهادة من قال بها، ولا على ما أثبته في محضره من أقوال واعترافات مقول بحصولها أمامه من المتهمين، والاعتداد بإنكارهما.
ثانيًا: عدم اطمئنان المحكمة لتقرير صندوق مكافحة الإدمان:
وعما أوردته النيابة العامة من تقريري صندوق مكافحة الإدمان بوصفه دليلًا في الدعوى، فإن المحكمة تطرحه ولا تطمئن إليه، ذلك أن الدليل الذي يتعين أن تأخذ به محكمة الموضوع ينبغي أن يكون دليلًا قائمًا على اليقين وليس على الاشتباه، إذ إن مصير المتهمين لا ينبغي أن يُؤسس على أدلة ظنية، وإنما على أدلة لا تحتمل الشك ولا يثور حيالها أي مظنة.
وحيث إن النيابة العامة لم تسلك السبيل المعتاد في مثل ما استقرت عليه أحكام محاكم الجنايات، وقامت بعرض المتهمين على صندوق مكافحة الإدمان، ولم تعرضهما على المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي التابع لوزارة العدل، وقد جاء بتقريـري صندوق مكافحة الإدمان أن النتائج التي تم التوصل إليها جاءت على سبيل (الاشتباه)، دون أن يتناول ما تم بحثه على نحو قاطع يقرع آذان المحكمة بثبوت قيامهما بالتعاطي.
وحيث إن المستقر في الأحكام الجنائية، حال ارتكانها إلى تقارير أهل الخبرة، والتي هي من إطلاقات محكمة الموضوع، أنه يجب أن تكون تلك الأدلة قائمة على أسباب يقينية.
كما أن من المستقر في قضاء محاكم الجنايات أن تستند إلى تقارير المعمل الكيماوي بمصلحة الطب الشرعي التابع لوزارة العدل، باعتبارها جهة محايدة ومستقلة، وإحدى الجهات المعاونة للقضاء، وقد جرى العمل على أن تلك التقارير الصادرة عن المعمل الكيماوي التابع لمصلحة الطب الشرعي تأتي إلى محاكم الجنايات وقد وردت نتائجها على نحو قاطع وليس على سبيل الاشتباه.
وحيث إن ما جاء بتقريـري صندوق مكافحة الإدمان، أن ما ورد به من نتائج إنما كان على سبيل الاشتباه، ولم يجزم على نحو يقيني بتعاطي المتهمين للمواد المخدرة، وإنما جاءت عبارته محمولة على معنى الظن.
وحيث إن الأحكام الجنائية لا تُبنى على الظن والاحتمال، وإنما على اليقين الذي لا تشوبه شائبة، ومن ثم فإن المحكمة تطرح هذا الدليل ولا تطمئن إليه.
ثالثًا: انفراد الشاهد بالشهادة وحجب باقي أفراد القوة المرافقة:
وحيث إن المحكمة، وقد أحاطت بظروف الدعوى ووقائعها، لا تطمئن ولا تستريح لأقوال شاهد الإثبات الأوحد، والتي جاءت قاصرة عن إقناع المحكمة واطمئنانها بحصول الضبط المقول به، لتعمد الشاهد الانفراد بأداء الشهادة دون سائر أفراد القوة المرافقة له، وحجبهم عن أداء الشهادة، كي يحمل لواءها بنفسه دون أن يتوافر لذلك سبب معقول، ولا تجد المحكمة مبررًا لهذا المسلك إلا الرغبة في تثبيت دعائم الاتهام وتفادي كل ما يكشف عن حقيقة صورة الضبط.
عليها ويوقن في ضميرها أن للواقعة صورة أخرى حجبها الضابط لإضفاء المشروعية على وقائع غير صحيحة.
رابعًا: عدم اطمئنان المحكمة لإقرار المتهمين بمحضر جمع الاستدلالات:
إذ إن المحكمة لا تطمئن إلى أقوال شاهد الإثبات من أن المتهمين أقرا له بإتجارهما في المادة المخدرة، ذلك أن هذا إقرار مجحود من المتهمين منذ بزوغ فجر التحقيقات وبجلسة المحاكمة، كما أن صدوره منهما ليس بمنأى عن الشك، ومن ثم ترى المحكمة أن قصد الشاهد من ذلك هو توثيق الاتهام قبل المتهمين دون سند من الواقع.
لما كان ذلك، وكان الدليل القائم بالأوراق قبل المتهمين، والذي عماده أقوال ضابط الواقعة، قد أحاط به الشك وران عليه الوهن بما لا ينهض كدليل تطمئن معه المحكمة إلى صحة الاتهام وثبوته في حقهما، وكانت الأوراق قد خلت من ثمة دليل قاطع يصح معه إدانة المتهمين بمقتضاه سوى هذا القول المنسوب لضابط المباحث، وكان الشك قد تسرب إلى عقيدة المحكمة في صحة أدلة الإثبات على نحو ما سلف بيانه.
وحيث إن الأوراق قد خلت من ثمة دليل سوى أقوال الضابط التي لم تطمئن إليها المحكمة، ولم يرد بالأوراق ثمة دليل مشروع يقرع آذان المحكمة ويتفق مع الدستور والقانون، وأخصها مبدأ الشرعية الإجرائية، فإن المحكمة تقضي والحال كذلك ببراءة كلاً من محمود أحمد محمد عيسى حامد، وعلي محمد صابر عبد المجيد عبد الغفار، مما أسند إليهما، مع مصادرة المخدر والسلاح الأبيض المضبوطين عملاً بالمادة 30/2 من قانون العقوبات.






