حيثيات براءة متهمين بالاتجار في المخدرات بجنايات الجيزة.. الشك في الأدلة وبطلان رواية الضبط يقودان للحكم
في حكم قضائي جديد يؤكد أن العدالة الجنائية تُبنى على اليقين لا الشك، أرست محكمة جنايات الجيزة مبدأً مهمًا بشأن تقدير أدلة الاتهام، بعدما انتهت إلى تبرئة متهمين من تهمة الاتجار في المواد المخدرة، لعدم كفاية الأدلة واهتزاز رواية الضبط.
وأوضحت المحكمة، في حيثيات حكمها، أنها لم تطمئن إلى أقوال شاهد الإثبات، ورأت أن تصوير الواقعة لا يتفق مع المنطق أو المجرى الطبيعي للأمور، بما أسقط عن الاتهام أركانه، وأعاد التأكيد على أن الشك يُفسر لصالح المتهم، وأن الإدانة لا تقوم إلا على دليل جازم وقاطع.
أودعت محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار الدكتور محمد الجنزوري، حيثيات حكمها ببراءة كلٍّ من عماد عبد الرازق ونورهان إسماعيل من تهمة الاتجار في المواد المخدرة.
وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، بعضوية المستشارين محمد سالمان، ووائل الشيمي، وأيمن زعلوك، وبأمانة سر أحمد رفعت وماجد منير، في الجناية رقم 16246 لسنة 2025 قسم الطالبية، والمقيدة برقم 8788 لسنة 2024 كلي جنوب الجيزة، إنه بعد تلاوة أمر الإحالة، وسماع طلبات النيابة العامة، والمرافعة الشفوية، ومطالعة الأوراق، والمداولة قانونًا:
وحيث إن النيابة العامة اتهمت:
1- عماد أحمد يوسف عبد الرازق
2- نورهان إسماعيل حسن حسين محمد الجمل
لأنهما في يوم 30/11/2025، بدائرة قسم شرطة الطالبية – محافظة الجيزة:
1- أحرزا بقصد الاتجار جوهرًا مخدرًا (أحد مشتقات الفينثيل أمين) في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
2- أحرز المتهم الأول سلاحًا أبيض (مطواة قرن غزال) بغير ترخيص.
وأحالتهما إلى هذه المحكمة، وطلبت عقابهما بالمواد 1، 2، 7/1، 34/1 بند (أ-2)، بند 6، 42/1 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989، والبند رقم 12 من القسم الأول (ب) من الجدول رقم 1 الملحق بالقانون الأول، والمستبدل بقرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، والمواد 1/1، 25 مكرر/1، 30/1 من القانون رقم 394 لسنة 1954 المعدل، والبند رقم 5 من الجدول رقم 1 المرفق بالقانون، والمعدل بقرار وزير الداخلية رقم 1756 لسنة 2007.
وذلك على سند من شهادة النقيب شرطة محمود أحمد أبو الفتوح البسيوني، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، وما ورد بتقرير المعمل الكيماوي.
فقد شهد النقيب شرطة محمود البسيوني، معاون مباحث قسم شرطة الطالبية، بأنه بتاريخ 30/11/2025، الساعة العاشرة وعشرون دقيقة مساءً، وأثناء مروره لتفقد الحالة الأمنية، وبرفقته قوة من أفراد الشرطة السريين بدائرة القسم، وردت إليه معلومات من أحد مصادره السرية، مفادها أن المتهمين عماد أحمد يوسف عبد الرازق، ونورهان إسماعيل حسن، يتواجدان على ناصية شارع صابر محمد – منطقة المحولات – ترسا، دائرة القسم، بقصد الاتجار في المواد المخدرة.
وأضاف أنه بإجرائه التحريات، أكدت صحة تلك المعلومات، فتوجه إلى المكان، حيث أبصر المتهمين، فمكث على مسافة قريبة يراقبهما، وبعد نحو خمس دقائق حضر شخص يستقل دراجة بخارية سوداء اللون دون لوحات معدنية، وبعد أن تبادل الحديث مع المتهمين، أخرج مبلغًا نقديًا من بين طيات ملابسه وسلمه للمتهمة الثانية، التي أخرجت كيسًا شفافًا بداخله أحد مشتقات الفينثيل أمين من حافظة لبنية اللون، وعرضته على قائد الدراجة.
وأشار إلى أنه في تلك الأثناء نشبت مشادة بين قائد الدراجة البخارية والمتهم الأول حول سعر المادة المخدرة، فقام الأخير بإخراج مطواة من بين طيات ملابسه وأشهرها في وجه قائد الدراجة، وعلى إثر ذلك أسرع نحوهم، وتمكن من ضبط المتهمين، بينما فرّ قائد الدراجة البخارية، ولم تتمكن القوة من اللحاق به.
وأضاف أنه تمكن من استخلاص المطواة من يد المتهم الأول، وضبط الكيس والحافظة من يد المتهمة الثانية، وبتفتيش الحافظة تبين احتواؤها على عدد 33 كيسًا بلاستيكيًا شفافًا تحتوي على ذات المخدر، ليصبح الإجمالي 34 كيسًا، كما عُثر داخلها على مبلغ 150 جنيهًا.
وبتفتيش المتهم الأول، عُثر بحوزته على كيس بلاستيكي كبير بداخله عدد 57 كيسًا شفافًا صغير الحجم تحتوي على ذات المخدر، كما عُثر معه على مبلغ 350 جنيهًا.
وبمواجهتهما، أقرا بحيازتهما للمخدر بقصد الاتجار، وأن المبالغ المالية من متحصلات البيع، وأن السلاح الأبيض للدفاع.
وأثبت تقرير المعمل الكيماوي أن المضبوطات عبارة عن 34 كيسًا بلاستيكيًا تحتوي جميعها على أحد مشتقات مخدر الفينثيل أمين، وبلغ وزنها قائمًا 17 جرامًا، وعدد 57 كيسًا بلاستيكيًا تحتوي على ذات المخدر، وبلغ وزنها قائمًا 30.93 جرامًا.
وباستجواب المتهمين بتحقيقات النيابة العامة، أنكرا ما أسند إليهما.
وبجلسة المحاكمة، حضر المتهمان، واعتصما بالإنكار، والتمس الدفاع الحاضر معهما البراءة، تأسيسًا على دفوع حاصلها: بطلان القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس، وعدم معقولية تصور حدوث الواقعة، وانتفاء صلة المتهمين بالمضبوطات، وانفراد الضابط بالشهادة، وكيدية الاتهام وتلفيقه، وبطلان الإقرار المنسوب إلى المتهمين.
وقدم الدفاع أربع حوافظ مستندات، أحاطت بها المحكمة، أفادت إحداها أن المتهمة الثانية إعلامية ومقدمة برامج على قناة «فوكس بالعربي» تحت اسم «نور الجمل»، فضلًا عن صورة لبرنامج تقدمه على مواقع التواصل الاجتماعي، ومذكرة بدفاعه.
وحيث إن المحكمة، بعد أن محصت الدعوى وأحاطت بظروفها، وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام عن بصر وبصيرة، ووازنت بينها وبين أدلة النفي، داخلها الريب في صحة عناصر الإثبات، ومن ثم ترجح دفاع المتهمين، وترى أن للواقعة صورة أخرى غير تلك التي قال بها شاهد الواقعة، أحجم عن ذكرها لإسباغ الشرعية عليها، الأمر الذي يجعل المحكمة تتشكك في صحة إسناد التهمة إلى المتهمين، وآية ذلك:
أولًا: عدم معقولية تصور حدوث الواقعة:
وحيث إن المحكمة تُصدر قضاءها على أن أصل البراءة يُعد قاعدة أساسية في نظام الاتهام، لا تُنقض إلا بدليل يقيني جازم، تفرضه حقائق الأشياء، وتقتضيه الشرعية الإجرائية، حمايةً للمتهم في مواجهة صور التحكم والتسلط والتحامل، بما يحول دون اعتبار واقعة تُقام بها الجريمة ثابتة بغير دليل قاطع يبلغ مبلغ الجزم واليقين، ولا يدع مجالًا للشك في ثبوت التهمة.
وإذ كان من اللازم في أصول الاستدلال أن يكون الدليل الذي يُعول عليه الحكم مؤديًا إلى ما رتبه عليه من نتائج، من غير تعسف في الاستنتاج، ولا تنافر مع حكم المنطق، وكانت الأحكام الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين المستمدين من الدليل المعتبر، لا على الظن والاحتمال أو الفروض المجردة، وكانت العبرة في المحاكمة الجنائية باقتناع قاضي الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليه، بإدانة المتهم أو ببراءته، وكان لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة في تقدير الدليل، فلها أن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود، وتطرح ما لا تطمئن إليه، دون أن تكون ملزمة ببيان أسباب ذلك، إذ إن وزن أقوال الشهود وتقدير ظروف أدائهم للشهادة مرجعه إلى وجدان المحكمة.
ولما كان ذلك، وكان قد استقر في يقين ووجدان المحكمة أنه ليس من المتصور عقلًا ومنطقًا أن يحرز المتهمان كمية من المواد المخدرة بقصد الاتجار، ثم تقوم المتهمة الثانية — وهي إعلامية — بالإمساك بكيس مخدر بالطريق العام وعرضه على آخر، حال كونها معروفة لبعض المارة بحكم عملها، وعلى مرأى ومسمع من الكافة، وفي مواجهة الضابط.
إذ إن ذلك لا يتفق مع المجرى العادي للأمور، ولا مع ما جُبل عليه تجار المواد المخدرة من شدة الحيطة والحذر، وغريزة الحرص والتوقي، خاصة مع علمهم بجسامة العقوبة المقررة لتلك الجرائم، ومن ثم كان من الطبيعي — إن صح الاتهام — أن يحرص المتهمان على إخفاء نشاطهما وعدم إظهار أي مظاهر تدل عليه.
أما تصوير الواقعة على النحو الذي أورده شاهدها، فيُعد — في نظر المحكمة — أقرب إلى من يكشف أمره بنفسه، وهو ما لا يستقيم مع العقل والمنطق.
ومن ثم، لا تُقيم المحكمة وزنًا لهذه الرواية، وترى أنها جاءت لإسباغ الشرعية على إجراءات تمت بالمخالفة لأحكام القانون وقواعد الشرعية الإجرائية، واختلاق حالة تلبس لا تتفق مع الواقع، الأمر الذي يتعين معه طرحها وعدم التعويل على شهادة قائلها، ولا على ما أثبته بمحضر الضبط من أقوال أو اعترافات منسوبة إلى المتهمين.
وتعتد المحكمة بإنكار المتهمين، وما أبدياه من أوجه دفاع، وترى أنه الأجدر بالاعتبار.
ثانيًا: انفراد الشاهد بالشهادة وحجبه باقي أفراد القوة المرافقة:
وحيث إن المحكمة، وقد أحاطت بظروف الدعوى ووقائعها، لا تطمئن ولا تستريح إلى أقوال شاهد الإثبات الأوحد، والتي جاءت قاصرة عن إقناعها بحصول واقعة الضبط على النحو المقول به؛ وذلك لتعمده الانفراد بأداء الشهادة دون سائر أفراد القوة المرافقة له، وحجبهم عن الإدلاء بأقوالهم، كي ينفرد بحمل لواء الشهادة دون مبرر معقول.
ولا تجد المحكمة تفسيرًا لمسلك هذا الضابط إلا رغبته في تدعيم أركان الاتهام وتفادي ما قد يكشف عن حقيقة الصورة التي تم عليها الضبط، مما يرسخ في يقينها أن للواقعة صورة أخرى حجبها الضابط، لإضفاء المشروعية على وقائع غير صحيحة.
ثالثًا: عدم اطمئنان المحكمة لإقرار المتهمين بمحضر جمع الاستدلالات:
إذ إن المحكمة لا تطمئن إلى ما قرره شاهد الإثبات من أن المتهمين قد أقرا له باتجارهما في المواد المخدرة، ذلك أن هذا الإقرار مجحود من المتهمين منذ بدء التحقيقات وحتى جلسة المحاكمة، فضلًا عن أن صدوره منهما ليس بمنأى عن الشك، ومن ثم ترى المحكمة أن ما ساقه الشاهد في هذا الشأن لا يعدو أن يكون محاولة لتدعيم الاتهام دون سند صحيح من الواقع.
ولما كان ذلك، وكان الدليل القائم بالأوراق قبل المتهمين — والذي عماده أقوال ضابط الواقعة — قد أحاط به الشك، وشابه الوهن بما لا ينهض معه كدليل تطمئن إليه المحكمة في ثبوت الاتهام، وكانت الأوراق قد خلت من ثمة دليل قاطع يمكن الاستناد إليه في الإدانة سوى تلك الأقوال التي لم تطمئن إليها المحكمة، وكان الشك قد تسرب إلى عقيدتها على النحو السالف بيانه.
وحيث خلت الأوراق من أي دليل مشروع يتفق مع أحكام الدستور والقانون، وعلى الأخص مبدأ الشرعية الإجرائية، فإن المحكمة تقضي — والحال كذلك — ببراءة كل من:
عماد أحمد يوسف عبد الرازق و نورهان إسماعيل حسن حسين محمد الجمل
مما أسند إليهما، مع مصادرة المخدر والسلاح الأبيض المضبوطين، عملًا بالمادة 30/2 من قانون العقوبات.
- جنايات الجيزة
- النيابة العامة
- محكمة جنايات الجيزة
- الدستور
- قانون العقوبات
- جنوب الجيزة
- محافظة الجيزة
- بطلان القبض
- وزير الداخلية
- المواد المخدرة
- الدستور والقانون
- هيئة الدواء المصرية
- تقرير المعمل الكيماوى
- العدالة الجنائية
- رئيس هيئة الدواء المصرية
- المستشار الدكتور محمد الجنزوري
- الإتجار في المواد المخدرة
- رئيس هيئة الدواء
- طلبات النيابة العامة
- عدم كفاية الأدلة
- القانون رقم 182 لسنة 1960
- الدكتور محمد الجنزوري







