تأييد سجن أم وعشيقها 15 عامًا بعد تعذيب طفل حتى الموت.. ومحكمة المنيا: تجردا من الإنسانية ودنسا قدسية الأمومة
"بأي ذنبٍ قُتل هذا الرضيع؟".. سؤال دوَّى في حيثيات الحكم قبل أن يكون سؤالًا يطرحه المجتمع. فالمحكمة، وهي تسطر كلماتها الأخيرة، لم تر أمامها مجرد واقعة جنائية، بل مأساة إنسانية فقدت فيها الأم معنى الأمومة، وتجرد فيها المتهم من كل معاني الإنسانية، لتنتهي إلى تأييد عقوبة السجن 15 عامًا للمتهمين، بعدما ثبت أن الاعتداءات الوحشية والإهمال الجسيم أنهيا حياة طفل لم يكن يملك سوى البكاء طلبًا للحنان، لذلك أيدت محكمة جنايات مستأنف المنيا الحكم الصادر بالسجن 15 عامًا لكل من محمد جبر وآية أحمد، بعد إدانتهما في القضية المعروفة إعلاميًا بواقعة تعذيب الطفل "سليم حسن" حتى الوفاة بمنطقة ملوي بمحافظة المنيا، في جريمة هزت الرأي العام بسبب ما تضمنته من وقائع تعذيب وحشية وإهمال جسيم انتهى بوفاة طفل لم يتجاوز سنوات عمره.
وأكدت المحكمة في حيثياتها برئاسة المستشار طه عبد الله عبد العظيم وعضوية المستشارين مصطفى ربيع و محمد محمود حلمي بحضور محمد عبد العزيز سليم وكيل النيابة بأمانة سر محمود شعبان، أن المتهمين ارتكبا أفعالًا تجردت من كل معاني الإنسانية، مشيرة إلى أن المتهمة الثانية، وهي والدة الطفل، خانت أقدس معاني الأمومة، بينما مارس المتهم الأول أبشع صور التعذيب بحق المجني عليه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصاباته.
تفاصيل الاتهامات للأم وعشيقها
وكشفت أوراق القضية أن المتهم الأول محمد جبر أحدث عمدًا، ومع سبق الإصرار، إصابات جسيمة بالطفل "سليم حسن"، نتيجة اعتداءات وحشية ومتكررة تنوعت بين الضرب والصفع والركل ولسع جسده بالسجائر في أماكن متفرقة، دون اكتراث بصغر سنه أو عجزه الكامل عن الدفاع عن نفسه.
وأوضحت التحقيقات أن المتهمة الثانية آية أحمد، والدة الطفل، أعطته مواد ضارة وعقارًا منومًا بصورة متكررة، بقصد تمكينها من الانشغال بعلاقتها غير المشروعة مع المتهم الأول، الأمر الذي تسبب في نوم الطفل لفترات طويلة، وتفاقم إصاباته وتقيحها، في ظل امتناعهما عن تقديم أي رعاية أو علاج طبي رغم تدهور حالته الصحية.
وأضافت النيابة أن الطفل توفي متأثرًا بالإصابات والجراح الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية، دون أن يثبت اتجاه قصد المتهمين إلى قتله عمدًا، إلا أن الاعتداءات الوحشية والإهمال الجسيم الذي صاحبها أفضيا إلى وفاته.
اتهامات أخرى للمتهمين
كما أسندت النيابة العامة إلى المتهمين إحراز جوهري الميثامفيتامين والحشيش بقصد التعاطي، في غير الأحوال المصرح بها قانونًا.
ونسبت إلى المتهم الأول أيضًا إحراز أداتين تستخدمان في الاعتداء على الأشخاص، هما عصا (شوم) وسيجارة استخدمت في تعذيب الطفل، دون مسوغ قانوني أو مبرر من الضرورة المهنية أو الحرفية.
وطلبت النيابة معاقبتهما بالمواد 231 و236 من قانون العقوبات، إلى جانب مواد قانون مكافحة المخدرات وقانون الأسلحة والذخائر وقانون الطفل.
حكم جنايات أول درجة
وكانت محكمة جنايات المنيا قد قضت بجلسة 9 مارس 2026 بمعاقبة المتهم الأول بالسجن لمدة 15 عامًا عن تهمة الضرب المفضي إلى الموت وإحراز أداة الاعتداء، كما عاقبت المتهمة الثانية بالسجن المشدد 15 عامًا عن تهمتي إعطاء الطفل مواد ضارة وإحراز المخدرات، مع تغريمها 50 ألف جنيه، وإلزامهما بالمصاريف الجنائية، وقضت ببراءة المتهم الأول من تهمة تعاطي المواد المخدرة.
محكمة مستأنف الجنايات تؤيد الحكم
وبعد نظر الاستئناف، أيدت محكمة جنايات مستأنف المنيا الحكم الصادر بحق المتهمين، مؤكدة سلامة ما انتهى إليه حكم أول درجة من ثبوت الاتهامات في حقهما.
«بأي ذنب قُتل هذا الرضيع؟».. أقوى ما جاء في حيثيات الحكم على أم وعشيقها بعد تعذيب طفل حتى الموت
وحيث إن المحكمة، وهي تختتم حديثها في هذه الدعوى، وبصدد إنزال قضائها، وهي مكبلة الأيدي بالتزامها بقاعدة قانونية راسخة، مؤداها ألا يُضار الطاعن بطعنه، فقد وقفت مذهولة أمام جرمٍ انخلعت له قلوب البشر، إزاء جفاءٍ في الطبع، وموتٍ في الضمير، ونفوسٍ ارتكست في مستنقع الرذيلة، فلم تكتفِ بهتك أستار الشرف والعِرض، بل دنَّست فطرة الأمومة النقية، واستبدلت برداء الطهر غواية الآثام.
وتوجِّه المحكمة حديثها إلى المتهمة الثانية، فتقول: لقد نسيتِ أن الأمومة ميثاق غليظ، فإذا بكِ تلقين بفلذة كبدك في أتون العذاب، وتقايضين صرخات براءته بلذات شهواتك المحرمة، وتسقينه كؤوس المنومات لتخرسي صوته الضعيف، عوضًا عن أن تفيضي عليه بفيض عطفك وحنانك. لقد تخليتِ عن أقدس رسالات الأرض، وبعتِ غالي الشرف برخيص الشهوة.
فها هي السباع والضباع في الغابات تثور حميتها ذودًا عن صغارها، وتستبسل في حفظ نسلها إذا تراءت نذر الخطر، فاستحققتِ أن تُنزع منك صفة الأمومة، وأن تُساقي إلى سجنك مدحورةً ملومة.
وللمتهم الأول تقول المحكمة: إنك قد تجردت من أدنى معاني الإنسانية، واستأسدت ببطشك على رضيع لا يملك دفعًا ولا نفعًا، فكنت تتلذذ بأنات ضعفه، وتطفئ لظى سجائرك في جسده الغض الطري، في وحشيةٍ مفرطة، وندالةٍ مستحكمة. فلم ترحم شهوتك الدنيئة صرخة الصغير، ولم تردعك براءة الفطرة، بل قسا قلبك حتى صار كالحجارة أو أشد قسوة.
فبأي ذنبٍ قُتل هذا الرضيع؟ وبأي جريرةٍ أُزهقت روحه الطاهرة؟ أَلِأَنَّه بكى طالبًا حنانًا ممن فقده، فوبلوه بالضرب والتعذيب؟ أم لأنه شكا جوعًا وألمًا، فجرعوه كأس الموت؟
ولما كانت الجريمة قد بلغت من الخسة منتهاها، ومن الدناءة أقصاها، فإن المحكمة لا تجد في ميزان العدل والرحمة موضعًا لرأفة بهذين المتهمين، وتأخذهما بأقصى عقوبة يجيزها القانون، ليكونا عبرةً وعظةً، ونكالًا لكل من تسول له نفسه انتهاك حرمات الله، والاعتداء على نفوس البشر.








