ليس لدي أي مانع في أن تتصدر صورة الملك فاروق لدى البعض يوم احتفال مصر بعيدها القومي يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢.
أقول ليس لدي مانع، من باب التسامح أو الكرم، ولكن من باب القناعة بأن صفحات التاريخ ليست حكراً على أحد دون الآخر. تستطيع أن تأخذ منها ما يجعلك تنظر إلى هذا اليوم على أنه بداية انحدار مصر وضياع مجدها.
لكن المانع عندي أن تختزل التاريخ والأحداث في عبارات ترددها دون وعي ودون تدقيق ودون أدنى مجهود لبحث مدى مصداقيتها.
فلتضع صورة الملك فاروق نُصب عينيك أو تثبتها فوق رأسك. هذا شأنك، لكن أن تختزل نصف قرن سبق ليلة ٢٣ يوليو في بضع عبارات، مثل أن الجنيه المصري كان أقوى من الجنيه الذهب مع أن حركة الاقتصاد كلها كانت بيد البنوك الإنجليزية سواء في مصر أو لندن، أو أن مصر كانت دائنة لبريطانيا مع أن مصر وُضعت تحت الانتداب البريطاني في أوائل القرن العشرين، فهذا هو الذي لا يليق على الأقل من منظور التاريخ ذاته.
لست هنا في مقام الدفاع عن ثورة يوليو، ولست هنا في مقام أن أثبت لك أنها ثورة أو حركة أو انقلاب تحول إلى ثورة، أو أنها "ثورة إلا خمسة" بتعبير الأستاذ هيكل الذي لا يخلو من رمزية.
لست هنا في هذا المقام، ولكنني هنا في مقام كيفية قراءة التاريخ، وكيفية الوصول إلى حقيقة لا يمكن أن تأتي إلا بعد بحث مضنٍ.
أظن أن ما يجعلك تحمل صورة الملك في ذاكرتك يحتم عليك أن تقرأ على الأقل عن نصف قرن من الزمان سبقت ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ كما قولنا، وبعدها يمكنك أن تتكلم وتُفصح وتتشبث برأيك وتتباكى إن شئت على كل لحظة في تاريخ الملكية، وأن تلعن تلك الليلة التي تحرك فيها عدة ضباط كانوا يبتغون إصلاح الجيش ليس أكثر.
إن لتاريخ الحركة الوطنية في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى تلك الليلة التي يمكن أن تعدها ملعونة، له حقاً عليك.
له حق القراءة المتأنية متعددة المصادر. له حق عليك لكي تكون بمنأى عن الاختزال الذي لا يليق بأكثر من قرن من الزمان دفع فيه رجال ونساء أرواحهم من أجل استقلال حقيقي غير منقوص لهذا الوطن.
حَرِيٌّ بك أن تقرأ عن حربين عالميتين تصارعت فيهما قوى ولم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، ورغم ذلك تجد مصر نفسها في قلب الحدث: موانيها.. مطاراتها.. مياهها.. صحراؤها..
كلها كانت في خدمة مصالح قوى لم تحارب إلا فوق أراضٍ فرضت عليها الحماية قسراً، أو أُخضعتها تحت الانتداب أو حتى الاحتلال.
عليك أن تقرأ عما حدث في الإسماعيلية يوم ٢٥ يناير ١٩٥٢. عليك أن تتصفح واحدة من أمجد صفحات تاريخ مصر. عليك أن تتلمس أسماء الشهداء الذين مثلوا كل محافظات ومراكز وقرى ونجوع مصر.
عليك أن تقرأ عن حريق القاهرة. قلب مصر الذي احترق غدراً وحزناً بينما كان وزير داخليتها مشغولاً بمراجعة عقد شراء عمارة جديدة وسط البلد.
عليك أن تجهد عقلك بعض الشيء بالبحث، ثم اصنع ما تشاء وبجِّل ما تشاء وارفع فوق هامتك ما تشاء.
ليست هذه هي القضية.
القضية أن تعلم أن القناعة الحقيقية غير الوهم. إنها نتاج بحث ومثابرة ومراجعة وتدقيق في صدق وموضوعية.
عند كل أمة يوم استقلال أو عيد وطني.
استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في ٤ يوليو ١٧٧٦.
اقتحام سجن الباستيل في ١٤ يوليو ١٧٨٩ وهو الذي صار العيد الوطني لفرنسا، وهكذا.
- أظن أنه في هذا اليوم لن تجد أمريكياً يرفع صورة "توماس غيج" قائد القوات في بداية الثورة ومواجهات عام ١٧٧٥.
- أو فرنسياً يرفع صورة آخر ملوك فرنسا "لويس السادس عشر" وهو يردد: "ولا يوم من أيامك يا لويس!".
- مرة أخرى أؤكد أنني لست في مقام الدفاع عن ثورة أو الابتهاج بخلع ملك. هذا له حديث آخر.
- فقط أنا في مقام احترام التاريخ والاقتراب من صفحاته في رداء الباحث عن الحقيقة، وليس اختزاله في بضع عبارات.
هنا يجوز لك أن ترفع صورة من تشاء وأن تبجِّل من تشاء ..!
- الملك فاروق
- ثورة 23 يوليو
- ثورة يوليو 1952
- تاريخ مصر الحديث
- العهد الملكي
- الضباط الأحرار
- الحركة الوطنية المصرية
- الاحتلال البريطاني لمصر
- الانتداب البريطاني
- الجنية المصري
- ديون مصر لبريطانيا
- الاقتصاد المصري قبل الثورة
- البنوك الإنجليزية في مصر
- حرب فلسطين 1948
- إصلاح الجيش المصري
- معركة الإسماعيلية
- 25 يناير 1952
- حريق القاهرة
- حضرة ولي النعم
- لويس السادس عشر

